المختبر السري 731
قصة المختبر السري 731 هي واحدة من أحلك الصفحات في تاريخ القرن العشرين، قصةٌ تختلط فيها السلطة بالعلم حين يُنزَع عنه الضمير.
في ثلاثينيات القرن الماضي، ومع توسّع الإمبراطورية اليابانية في منشوريا شمال الصين، أُنشئت وحدة عسكرية سرية حملت اسم الوحدة 731. ظاهريًا كانت مركزًا للأبحاث الطبية والصحة العامة، لكن خلف الأسوار العالية والحراسة المشددة، كان يجري شيءٌ مختلف تمامًا.
قاد الوحدة الطبيب العسكري إيشِي شيرو، رجلٌ آمن بأن الحروب القادمة لن تُحسم بالسلاح وحده، بل بالأوبئة والجراثيم. داخل المختبرات، تحوّل العلم إلى أداة اختبار قاسٍ على البشر. أُطلق على الضحايا اسمٌ بارد: جذوع الأشجار، في محاولةٍ متعمدة لنزع إنسانيتهم.
كان المعتقلون من المدنيين الصينيين، وأسرى الحرب، وأحيانًا أطفال ونساء. أُخضعوا لتجارب تتعلّق بالأمراض المعدية، والأسلحة البيولوجية، وتحمل الجسد البشري للظروف القاسية. لم يكن الهدف العلاج، بل المراقبة والتسجيل: كيف يتفاعل الجسد، ومتى ينهار.
لم تقتصر التجارب على جدران المختبر. أُجريت اختبارات ميدانية بنشر الأوبئة في قرى كاملة، عبر المياه أو الحشرات، لرصد سرعة الانتشار وتأثيره على السكان. كانت النتائج تُكتب في تقارير علمية دقيقة، لكنها وُلِدت من معاناة حقيقية.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، حاولت الوحدة طمس آثارها. دُمّرت الوثائق، وفُجّرت المباني، وقُتل كثير من الشهود. غير أن الصمت لم يكتمل. ظهرت شهادات، وتسربت حقائق، واتضح حجم ما حدث.
المفارقة القاسية أن كثيرًا من القائمين على الوحدة لم يُحاكَموا محاكمات عادلة. في ظل صراعات ما بعد الحرب، استُخدمت بعض البيانات التي جُمعت، وحصل عدد من العلماء على حصانة مقابل تسليم معلوماتهم، بينما دُفن ذكر الضحايا في الهامش لسنوات طويلة.
اليوم، لا تُروى قصة المختبر السري 731 بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل تحذيرًا إنسانيًا: حين ينفصل العلم عن الأخلاق، يصبح التقدّم نفسه خطرًا. القصة تذكير بأن المعرفة بلا ضمير قد تتحوّل إلى أداة دمار، وأن أعظم الجرائم قد تُرتكب أحيانًا بأيدٍ ترتدي المعاطف البيضاء.



تعليقات
إرسال تعليق