الاميرة غالية البقمية قاهرة الباشا


لو قلبت صفحات التاريخ في الجزيرة العربية، ستتوقف طويلاً عند اسم حفر نفسه بالبارود والدم والذكاء.. اسم غالية البقمية.



من هي غالية؟ هي غالية بنت عبد الرحمن بن سلطان، ابنة قبيلة "البقوم" العريقة. لم تكن امرأة عادية، بل كانت زوجة أمير مدينة "تربة" وحاكمها حمد بن عبد الله بن محيي. نشأت في بيئة تعلمت فيها أن الحكمة تسبق السيف، وأن الرأي السديد يعادل جيشاً كاملاً. كانت في قومها "راعية رأي"، يستشيرها زوجها في الكبيرة والصغيرة، وكأنها وزيرة دفاعه ومستشارته الأولى.


حكاية الليلة التي صنعت المجد: في عام 1228 هجرية، كانت الغيوم السوداء تتجمع فوق سماء "تربة". جيوش طوسون باشا (ابن محمد علي باشا) تزحف نحوهم بآلات حرب ومدافع لم يرها أهل البادية من قبل، قادمةً بنية سحق الدولة السعودية الأولى.



وفي هذا التوقيت القاتل، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ مرض الأمير حمد، زوج غالية، مرضاً شديداً أقعده عن الحركة (وفي روايات أنه مات وأخفت غالية الخبر). تخيل الموقف: العدو على الأبواب، والقائد طريح الفراش.. لو تسرب الخبر لانهارت معنويات الرجال وانتهت المعركة قبل أن تبدأ.



هنا ظهر معدن غالية الحقيقي. لم تبكِ ولم تندب، بل ربطت على قلبها وخرجت لفرسان القبيلة وكبار القوم بوجهٍ صلب لا يظهر عليه الانكسار. أخبرتهم أن الأمير "بخير" ولكنه يوصيهم بالثبات ويوكل إليها نقل أوامره وتوجيهاته.

تحولت غالية في تلك الليالي من "زوجة الأمير" إلى "قائد الأركان". كانت تجتمع بالقادة، ترسم الخطط، تحدد أماكن الكمائن، وتفتح خزائن الأموال والتمور والذخيرة وتوزعها على المقاتلين لرفع معنوياتهم. كانت تدير المعركة بخيوط خفية، والفرسان ينفذون "أوامر الأمير" التي هي في الحقيقة دهاء غالية وحكمتها.




وحين التحم الجيشان، تفاجأ العساكر الغزاة بأنهم لا يقاتلون شرذمة قليلة، بل يواجهون جحيماً منظماً وخططاً عسكرية محكمة. صمدت تربة، وانكسر جيش الباشا المدجج بالسلاح الحديث، وفرّوا هاربين تاركين مدافعهم وخيامهم غنيمة لأهل الأرض.


من شدة القهر، لم يستطع قادة الجيش الغازي الاعتراف بأن "امرأة بدوية" هزمت إمبراطوريتهم العسكرية، فأشاعوا في مصر ولدى الباب العالي أن غالية "ساحرة وكاهنة"، وأن الجن هم من يحاربون معها ويقلبون المدافع! لم يعلموا أن سحرها الحقيقي كان شجاعتها وعقلها الذي يزن بلداً.




هذه هي غالية البقمية.. المرأة التي لقنت الغزاة درساً، وخلدت اسمها كواحدة من أعظم نساء العرب.

رابط القصة



تعليقات

المشاركات الشائعة