الرصاصة التي انبتت املاً (مالالا يوسفزاي)
وُلِدَتْ مَالاَلَا يُوسُفْزَاي عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ فِي وَادِي سْوَاتَ الْجَمِيلِ بِبَاكِسْتَانَ، حَيْثُ كَانَ وَالِدُهَا زِيَا الدِّينِ مُعَلِّمًا يُدِيرُ مَدْرَسَةً لِلْبَنَاتِ، وَيُؤْمِنُ إِيمَانًا شَدِيدًا بِحَقِّ الْفَتَيَاتِ فِي التَّعْلِيمِ.
نَشَأَتْ مَالاَلَا وَسَطَ الْكُتُبِ وَالْأَحْلَامِ، تُحِبُّ الدِّرَاسَةَ وَتُحَقِّقُ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، لَكِنْ فِي عَامِ أَلْفَيْنِ وَسَبْعَةٍ بَدَأَ الظَّلَامُ يُغَطِّي الْوَادِي، عِنْدَمَا سَيْطَرَتْ طَالِبَانُ وَفَرَضَتْ قَوَانِينَ قَاسِيَةً تَحْرِمُ الْفَتَيَاتِ مِنَ التَّعْلِيمِ، وَتُهَدِّدُ بِالْقَتْلِ مَنْ يُخَالِفُ.
وَرَغْمَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ، رَفَضَ وَالِدُهَا إِغْلَاقَ الْمَدْرَسَةِ، وَاسْتَمَرَّتْ مَالاَلَا فِي التَّعَلُّمِ سِرًّا أَحْيَانًا، وَفِي سِنِّ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ بَدَأَتْ تَكْتُبُ مُدَوَّنَةً سِرِّيَّةً لِإِذَاعَةِ (بِي بِي سِي) بِاسْمٍ مُسْتَعَارٍ، تَرْوِي فِيهَا حَيَاتَهَا تَحْتَ حُكْمِ طَالِبَانَ، وَكَيْفَ تُخْفِي كُتُبَهَا وَتَسْمَعُ انْفِجَارَ الْمَدَارِسِ.
أَصْبَحَ صَوْتُهَا مَسْمُوعًا، فَظَهَرَتْ فِي مُقَابَلَاتٍ تِلِفِزْيُونِيَّةٍ تُدَافِعُ عَنْ حَقِّ الْفَتَيَاتِ فِي التَّعَلُّمِ، لَكِنَّ هَذِهِ الشَّجَاعَةَ كَلَّفَتْهَا ثَمَنًا غَالِيًا.
فِي التَّاسِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ عَامَ أَلْفَيْنِ وَاثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَتْ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، صَعِدَتْ إِلَى حَافِلَةِ الْمَدْرَسَةِ عَائِدَةً إِلَى الْبَيْتِ، فَتَوَقَّفَتِ الْحَافِلَةُ فَجْأَةً، وَصَعِدَ مُسَلَّحٌ وَسَأَلَ: «مَنْ مِنْكُنَّ مَالاَلَا؟» ثُمَّ أَطْلَقَ النَّارَ عَلَى رَأْسِهَا مُبَاشَرَةً.
أُصِيبَتْ إِصَابَةً خَطِيرَةً، وَنُقِلَتْ فِي حَالَةٍ حَرِجَةٍ إِلَى بَرِيطَانِيَا، حَيْثُ خَضَعَتْ لِعَمَلِيَّاتٍ جِرَاحِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ، وَشُهُورٍ مِنَ الْعِلَاجِ، لَكِنَّهَا نَجَتْ بِأُعْجُوبَةٍ، وَاسْتَعَادَتْ قُوَّتَهَا تَدْرِيجِيًّا، مِنْ دُونِ أَنْ تَفْقِدَ ابْتِسَامَتَهَا أَوْ إِيمَانَهَا.
بَدَلَ الْخَوْفِ أَوِ الانْتِقَامِ، اخْتَارَتْ طَرِيقَ السَّلَامِ وَالتَّعْلِيمِ، وَفِي عِيدِ مِيلَادِهَا السَّادِسَ عَشَرَ عَامَ أَلْفَيْنِ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَقَفَتْ أَمَامَ الْجَمْعِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ، وَأَلْقَتْ خِطَابًا تَارِيخِيًّا قَالَتْ فِيهِ: «دَعُونَا نَرْفَعُ الْكُتُبَ وَالْأَقْلَامَ، فَهِيَ أَقْوَى الْأَسْلِحَةِ، وَصَوْتٌ وَاحِدٌ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ».
وَفِي عَامِ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ، حَصَلَتْ عَلَى جَائِزَةِ نُوبَلَ لِلسَّلَامِ، وَهِيَ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، لِتُصْبِحَ أَصْغَرَ شَخْصٍ يَنَالُهَا فِي التَّارِيخِ، ثُمَّ أَسَّسَتْ صُنْدُوقَ مَالاَلَا لِدَعْمِ تَعْلِيمِ الْفَتَيَاتِ حَوْلَ الْعَالَمِ.
وَالْيَوْمَ تُعَدُّ مَالاَلَا رَمْزًا عَالَمِيًّا لِلشَّجَاعَةِ وَالْإِصْرَارِ؛ مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالِهَا لَمْ تُوقِفْهَا، بَلْ جَعَلَتْ صَوْتَهَا يَصِلُ إِلَى مَلَايِينَ الْفَتَيَاتِ، وَتُذَكِّرُنَا قِصَّتُهَا أَنَّ الْإِيمَانَ بِقَضِيَّةٍ عَادِلَةٍ، مَعَ التَّعْلِيمِ، نُورٌ لَا يُطْفَأُ، وَإِصْرَارٌ لَا يُقْهَرُ.



تعليقات
إرسال تعليق