رسالة سياسية من الدولة الاموية





لم يكن الصراع بين عبدالرحمن الداخل وأبي جعفر المنصور صراعَ جيوشٍ فقط، بل كان صراعَ رسائلٍ وهيبة، وصلت أحيانًا بطرقٍ صامتة أشد وقعًا من السيوف.


بعد أن استقر لعبدالرحمن الداخل الحكم في الأندلس، لم يطمئن أبو جعفر المنصور إلى قيام دولة أموية بعيدة عن قبضته. كان يرى فيها خطرًا مؤجلًا، فقرّر أن يمد يده من بغداد إلى أقصى الغرب. أرسل قائدًا عباسيًا يُعرف بالحضرمي، ومعه مهمة واضحة: إنهاء حكم الداخل وإخماد آخر أنفاس الأمويين.


لكن الأندلس لم تكن أرضًا سهلة، وعبدالرحمن الداخل لم يكن رجلًا عابرًا. التقى الطرفان، ودارت المواجهة، وانتهت بهزيمة الحضرمي ومقتله. هنا لم يكتفِ الداخل بالنصر العسكري، بل اختار أن يحوّله إلى رسالة سياسية لا تُخطئها العين.


أمر بتجهيز رأس الحضرمي وتحنـيطه، ووُضع الرأس في صندوق أُرسل عبر البحار حتى وصل إلى قصر الخلافة في بغداد. لم يحمل الصندوق رسالة مكتوبة، لكن محتواه كان أوضح من أي خطاب. حين فُتح الصندوق، فهم أبو جعفر المنصور المعنى كاملًا: هذا الرجل في الأندلس لن يُحكم بالأوامر ولا يُسقط بالوكلاء.


تروي كتب التاريخ أن المنصور قال عندها:

«الحمد لله الذي جعل بيني وبينه بحرًا»

وهي عبارة تختصر اعترافًا صريحًا بخطورة عبدالرحمن الداخل وبعد مناله.


لم تكن تلك الحادثة مجرد واقعة دمويّة، بل لحظة فاصلة أعلنت أن الأندلس خرجت من ظل الصراع العباسي الأموي، ودخلت مرحلة دولةٍ قائمةٍ بذاتها. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عبدالرحمن الداخل أميرًا فارًا، بل صار حاكمًا يفرض احترامه حتى على عاصمة الخلافة نفسها.


وهكذا، في صندوقٍ صامتٍ عبر البحر، كُتبت واحدةٌ من أقسى الرسائل السياسية في تاريخ الإسلام، رسالة تقول إن الدول قد تُبنى أحيانًا من الهروب، لكنها لا تعيش إلا بالقوة والهيبة.












تعليقات

المشاركات الشائعة