الملكة اليمنية نظارة بنت الشيخ طاهر الأحمر

 



نظارة: الحارسة الأخيرة لمجد الطاهريين

1. عصر الرخاء والمجد

في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، كانت اليمن تعيش عصرها الذهبي تحت حكم الدولة الطاهرية. كان السلطان عامر بن عبدالوهاب، زوج نظارة، حاكماً مستنيراً، اشتهر ببناء المدارس والمساجد وشق قنوات المياه وتعبيد الطرق. كانت "نظارة" ابنة الشيخ طاهر الأحمر، ليست مجرد زوجة للسلطان، بل كانت رفيقة دربه وشاهدة على هذا البناء. عاشت في القصور التي تضج بالعلم والعلماء، وتزينت بأفخر الحلي التي صاغها حرفيو اليمن، وكان يُضرب المثل بجمالها ورجاحة عقلها.

2. التحالف المشؤوم (1517م)

تلبدت سماء اليمن بالغيوم حين قرر المماليك (الجركس) في مصر إرسال حملة عسكرية إلى اليمن بحجة حماية البحر الأحمر من البرتغاليين. لكن النوايا كانت احتلال اليمن ونهب ثرواتها.

في تلك الأثناء، رأى الإمام الزيدي شرف الدين في صعدة فرصة ذهبية لإسقاط الدولة الطاهرية السُنية التي كانت تحكم معظم اليمن، فتحالف مع المماليك الغزاة. كان تحالفاً مريراً: الإمام يفتح الطريق، والمماليك ببارودهم ومدافعهم يدكون حصون الطاهريين.

3. سقوط السلطان

خرج السلطان عامر بن عبدالوهاب لملاقاة الغزاة بشجاعة نادرة، لكن خيانة بعض القبائل وقوة نيران المدافع المملوكية كانت أقوى. انكسر جيش السلطان، وقُتل عامر بن عبدالوهاب وحُزّ رأسه وأرسل إلى صنعاء. سقطت الدولة، وهرب الرجال، واستسلم القادة.

في تلك اللحظة، ظن الغزاة أن اليمن دانت لهم، وأن خزائن الطاهريين باتت في قبضتهم. لكنهم لم يحسبوا حساب الملكة نظارة.

4. صمود القلعة

حين وصل نبأ مقتل السلطان إلى "نظارة"، لم تذرف الدموع وتنتحب كبقية النساء، ولم تهرب بجلدها. أدركت أن الغزاة قادمون لنهب خزائن الدولة في حصن المقرانة (عاصمة الطاهريين الحصينة قرب رداع).

أمرت نظارة بغلق أبواب الحصن العملاق، وجمعت الحراس المتبقين، ووقفت تخطب فيهم أن الموت بشرف خير من تسليم أمانات اليمن للغرباء والمتحالفين معهم.

قامت نظارة بدفن الجزء الأكبر من كنوز الدولة وخزائنها في أماكن سرية لا يعرفها أحد غيرها، وقررت الدفاع عما تبقى.

5. الحصار والمعركة

وصلت جيوش المماليك وجنود الإمام وحاصروا الحصن. ضربوا الحصار لأيام طويلة. قاومت نظارة ومن معها بضراوة، كانت تشرف على الأسوار، وتوزع المؤونة القليلة، وتشد من أزر الجنود.

حاول الغزاة استمالتها بالوعود تارة، وبالتهديد تارة أخرى، لكنها رفضت التفاوض مع قتلة زوجها ومدمري دولتها.

6. السقوط التراجيدي

نفدت المؤونة والذخيرة، وتمكن الغزاة من اقتحام الحصن بعد خيانة داخلية أو بسبب شدة القصف (تتعدد الروايات). حين دخل قائد المماليك إلى قاعة العرش، وجد نظارة واقفة بشموخ، لم تنحنِ.

طالبوها بمكان الكنوز، فصمتت. قاموا بنهب كل ما طالت أيديهم، حتى أن المصادر التاريخية تذكر أنهم انتزعوا الحلي من ملابسها وجسدها بالقوة. يُقال إنهم وجدوا في خزائنها (التي لم تستطع إخفاءها) صناديق ممتلئة بالذهب والفضة والنفائس التي لم يروا مثلها قط.

7. النهاية والرمزية

تختلف الروايات حول نهايتها؛ فبعض المؤرخين يقولون إنها ماتت قهراً وكمداً بعد أيام من سقوط الحصن ورؤية مجد دولتها يُداس تحت أقدام خيول الغزاة، والبعض يقول إنها قُتلت.

لكن الثابت تاريخياً هو أن نظارة مثلت "الرمق الأخير" للدولة الطاهرية. بموتها، دخلت اليمن في نفق مظلم من الصراعات الطويلة، وغابت شمس الدولة التي كانت تبني المدارس والجسور.

ظلت قصتها محفورة في الذاكرة الشعبية كرمز للمرأة اليمنية التي تذود عن الأرض والعرض، والتي تفضل الجوع والحصار على أن تسلم مفاتيح وطنها لغادٍر أو محتل.




تعليقات

المشاركات الشائعة