العبقري الذي انقذ امبراطورية فورد

 

في عام 1900، واجه عملاق صناعة السيارات "هنري فورد" كابوساً حقيقياً. في مصنعه الضخم "ريفر روج"، توقف المولد الكهربائي العملاق -الذي يعتبر قلب المصنع النابض- عن العمل فجأة.

تخيل المشهد: خطوط الإنتاج توقفت، العمال في حيرة، والخسائر تتراكم مع كل دقيقة صمت تمر. استنفر فورد جيشاً من مهندسيه لإصلاح الخلل، لكن الأيام مرت دون جدوى. المولد ظل صامتاً، واليأس بدأ يتسلل للجميع.

استدعاء "العبقري القصير"

عندما عجز الجميع، لم يجد فورد حلاً سوى الاستعانة بأحد ألمع العقول في ذلك العصر: تشارلز شتاينمتس. كان شتاينمتس شخصية فريدة؛ مهندس قصير القامة، يعاني من تحدب في ظهره، لكنه كان يحمل في رأسه عقلاً يزن جبلاً من الذهب.

لم يدخل شتاينمتس المصنع حاملاً معدات ثقيلة أو فريق عمل ضخم. طلب شيئاً بسيطاً وغريباً: سرير ميداني، دفتر ملاحظات، وقلم رصاص.

يومان من الصمت

على عكس ما توقعه العمال، لم يبدأ شتاينمتس بالفك والتركيب العشوائي. فرش سريره بجانب المولد العملاق، وجلس هناك ليومين وليلتين. كان يفعل شيئاً واحداً فقط: يستمع. كان ينصت لـ "همهمة" المولد، ويستشعر ذبذباته، ويدون معادلات رياضية معقدة في دفتره بينما ينام الآخرون. كان يحاول فهم لغة الآلة التي عجز غيره عن سماعها.

الحل السحري.. وضربة الطباشير

في صباح اليوم الثالث، وقف شتاينمتس وطلب سلماً، وشريط قياس، وقطعة طباشير. صعد السلم بهدوء، قاس مسافة محددة بدقة متناهية، ثم رسم علامة "X" صغيرة بالطباشير على جانب الغلاف المعدني للمولد. نظر إلى الفنيين وقال بثقة تامة: "أزيلوا 16 لفة من الملف الموجود تحت هذه العلامة بالضبط".

كانت التعليمات غريبة، لكنهم نفذوها. وما إن أداروا مفتاح التشغيل حتى دبت الحياة في المولد، وعادت التروس للدوران، وعاد المصنع للضجيج المحبوب. لقد تم الإصلاح!

الفاتورة الصادمة

بعد انتهاء الاحتفالات، أرسل شتاينمتس فاتورته إلى هنري فورد. المبلغ كان صاعقاً في ذلك الزمن: 10,000 دولار! استشاط فورد غضباً. كيف يطلب هذا المبلغ مقابل عمل لم يتطلب أي جهد بدني يذكر ومجرد "شخطة" بالطباشير؟ طلب فورد فوراً فاتورة مفصلة تشرح أسباب هذا المبلغ الخرافي.

جاء رد شتاينمتس في ورقة تحمل عبارات ستخلد في تاريخ الإدارة والأعمال:

تفاصيل الفاتورة:

  • رسم علامة بالطباشير: 1 دولار.

  • معرفة أين يجب وضع العلامة: 9999 دولار. المجموع: 10,000 دولار.

العبرة

دفع فورد الفاتورة وهو يبتسم، فقد أدرك الدرس. في حياتنا وأعمالنا، نحن لا ندفع للخبراء مقابل "الدقائق" التي يقضونها في العمل، بل ندفع مقابل "السنوات" التي قضوها في التعلم ليتمكنوا من إنجاز العمل في دقائق.



تعليقات

المشاركات الشائعة