يوسف ابن تاشفين
الفصل الأول: من رحم الرمال (النشأة والزهد)
في أعماق الصحراء الكبرى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرياح، وُلد يوسف بن تاشفين في قبيلة "لمتونة" البربرية. لم يتربَّ في قصور الديباج والحرير، بل كانت مدرسة حياته هي الخيام الخشنة وحليب الإبل وقيظ الشمس الحارق.
كان رجلاً طويلاً، أسمر اللون، خشن الملمس، قليل الكلام، كثير العمل. حين بدأ دعوة "المرابطين"، لم يكن يطمح لملك، بل لتوحيد القبائل تحت راية الدين. وببصيرة القائد الفذ، أسس مدينة مراكش لتكون عاصمة لدولة فتية، وبسط نفوذه على المغرب كله، جاعلاً من القبائل المتناحرة جيشاً واحداً يخشاه الجميع. ورغم اتساع ملكه، ظل يلبس الصوف ويأكل خبز الشعير، زاهداً في الدنيا وهي مقبلة عليه.
الفصل الثاني: استغاثة الأندلس (سقوط الطليطلة)
على الجانب الآخر من البحر، في الأندلس، كان الوضع مغايراً تماماً. عاش "ملوك الطوائف" في قصور باذخة، غارقين في الترف والموسيقى، لكنهم كانوا ضعفاء، ممزقين، يدفعون الجزية للملك ألفونسو السادس، ملك قشتالة.
جاءت الفاجعة الكبرى بسقوط مدينة طليطلة (توليدو) في يد ألفونسو، واحترقت مساجدها وبيوتها. أيقن ملوك الطوائف أن الدور قادم عليهم، فدب الرعب في قلوبهم. هنا، قرر المعتمد بن عباد (أمير إشبيلية) الاستنجاد بأسد الصحراء، وقال مقولته الشهيرة رداً على من حذره من المرابطين:
"لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين، أحب إليّ من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو."
الفصل الثالث: العبور العظيم
وصلت الرسالة إلى يوسف بن تاشفين وهو شيخ كبير (تجاوز السبعين من عمره). لم يتردد لحظة. جمع جيشه الجرار من البربر والأفارقة، ووقف على شاطئ سبتة ينظر إلى البحر الهائج. رفع يديه إلى السماء ودعا الله: "اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيراً للمسلمين فسهله عليّ، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني".
عبرت السفن المضيق، واهتزت الأرض تحت أقدام جيش المرابطين الذي لم ترَ أوروبا مثله من قبل؛ رجال لا يعرفون الترف، وجوههم ملثمة، وقلوبهم معلقة بالآخرة.
الفصل الرابع: يوم الزلاقة (المعركة الفاصلة)
التقى الجيشان في سهل الزلاقة (سنة 1086م). كان جيش ألفونسو ضخماً، مزهواً بالدروع الحديدية اللامعة والخيول المدربة. وفي المقابل، كان جيش المسلمين (الأندلسيين والمرابطين) يترقب.
بدأت المعركة طاحنة. كاد الجيش الأندلسي أن ينهزم لولا ثبات المعتمد بن عباد. كان يوسف بن تاشفين يراقب المعركة من تلة، يدخر قوات النخبة للحظة الحاسمة. وعندما أنهك التعب جيش قشتالة، أمر يوسف "الحرس الأسود" وقواته الخاصة بالهجوم.
نزل يوسف بنفسه إلى المعركة وهو في شيخوخته، يضرب بسيفه. حوصر ألفونسو وجيشه، وتحولت ثقتهم إلى رعب، وفرّ ألفونسو جريحاً بساق واحدة مع قلة من رجاله، تاركاً خلفه كبرياءه محطماً على صخرة المرابطين.
الفصل الخامس: الملك الزاهد
بعد النصر العظيم، فُتحت خزائن الأندلس ليوسف، وعُرضت عليه الغنائم والجواهر. لكن "الرجل الصحراوي" نظر إليها بازدراء، ورفض أن يأخذ منها شيئاً، قائلاً إنه جاء للجهاد لا للدنيا، وعاد سريعاً إلى صحرائه ومراكش.
لكن القصة لم تنتهِ هنا. عاد ملوك الطوائف إلى فسادهم وتناحرهم، فأفتى العلماء ليوسف بخلعهم وضم الأندلس إلى دولة المرابطين، ليوحد الضفتين تحت راية واحدة لأول مرة منذ زمن الأمويين.
النهاية: رحيل الأسد
عاش يوسف بن تاشفين قرابة المائة عام. حكم إمبراطورية تمتد من حدود فرنسا شمالاً إلى السنغال جنوباً. وعندما حضرته الوفاة، كان في غرفة بسيطة، ليس حوله حرير ولا ذهب، بل سيفه ومصحفه وثيابه الصوفية.
مات يوسف، لكنه ترك خلفه تاريخاً لا يمحى، فقد أطال عمر الإسلام في الأندلس لأربعة قرون أخرى، وخلد اسمه كواحد من أعظم القادة في التاريخ الإسلامي، الرجل الذي جمع بين هيبة الملك وتواضع الزاهد.





تعليقات
إرسال تعليق