عملية نقل الغبار (ريف دمشق )



 تخيل مدينة صغيرة وادعة، عدد سكانها لا يتجاوز 25 ألف نسمة، لكنها في باطن أرضها، تخفي سراً أكبر من حجمها بأضعاف مضاعفة. هذا ليس مشهداً من فيلم رعب خيالي، بل هي حقيقة كشفها تحقيق استقصائي عالمي هز الضمير الإنساني مؤخراً.

اليوم، سأروي لكم قصة "القطيفة".. القرية التي تحولت شوارعها إلى ممرات للموت، وكيف حاول المجرم إخفاء جريمته بعملية سرية أطلق عليها اسم "نقل الغبار".

البداية: أكثر من مجرد "أتربة"

في الفترة ما بين عامي 2019 و2021، وبينما كان العالم يظن أن الحرب قد هدأت وتيرتها، كانت هناك حرب أخرى تدور في الخفاء. حرب ضد "الأدلة". أصدر النظام السوري أوامر صارمة وسرية للغاية بتنظيف مقبرة جماعية في منطقة "القطيفة" بريف دمشق. الهدف الظاهر؟ نقل أتربة ومخلفات. لكن الحقيقة المرعبة؟ تلك "الأتربة" كانت ممزوجة برفات أكثر من 100 ألف معتقل ومغيب قسرياً.

شاحنات الرعب الليلي

تحدث شهود عيان وسائقون أُجبروا على المشاركة في هذه العملية عن تفاصيل تقشعر لها الأبدان. تخيل أن تقود شاحنة في منتصف الليل، ضمن قافلة مكونة من 6 إلى 8 شاحنات، تسير بصمت مطبق لأربع ليالٍ متواصلة كل أسبوع. لم يخبر أحد السائقين بما يحملونه، لكن رائحة الموت كانت أقوى من أي كتمان. يقول أحد السائقين بمرارة: "لم يخبرونا بمحتوى الشاحنات، وحين اكتشفنا الحقيقة، هددونا بقتل عائلاتنا ودفنهم مع تلك الجثث إن نطقنا بكلمة".

كانت الرائحة تعلق بملابسهم، بأيديهم، وحتى في ذاكرتهم، لتذكرهم كل لحظة بالجريمة التي شهدوها.



صحراء "الضمير".. المثوى المجهول

إلى أين ذهبوا بهم؟ تحت جنح الظلام، اتجهت القوافل شرقاً نحو صحراء "الضمير". هناك، في موقع عسكري معزول، تم حفر 34 خندقاً ضخماً تمتد لمسافة كيلومترين. في تلك الخنادق، أفرغت الشاحنات حمولتها. بعض الجثث كانت لا تزال بملامحها، وأخرى تحولت إلى عظام متناثرة. كان الهدف واحداً: طمس مقبرة القطيفة بالكامل، وجعلها تبدو كأنها أرض بكر لم تشهد أي فظائع، وإخفاء هذه الأرواح في عمق الصحراء للأبد.

لماذا الآن؟

كشف وكالة رويترز لهذه التفاصيل الدقيقة، مدعومة بصور الأقمار الصناعية وشهادات الجنود المنشقين، يثبت شيئاً واحداً: الجريمة الكاملة مستحيلة. مهما حاول الطغاة "نقل الغبار" أو تغيير معالم الأرض، فإن الحقيقة تجد طريقها للخروج دائماً.

هذه القصة ليست مجرد توثيق لحدث سياسي، بل هي تذكير بمآسي آلاف العائلات التي لا تزال تنتظر خبراً عن مفقودينا، بينما رفاتهم تُنقل كالبضائع في شاحنات عسكرية تحت مسمى "الغبار".



تعليقات

المشاركات الشائعة