مصير العرش: عندما يصنع الملك قاتله بيده
"لم يكن يعلم المعتصم بالله، وهو يشيد أسوار مدينته الحلم، أنه يبني القفص الذي سيُحبس فيه أحفاده، وأن السيوف التي شحذها لحمايته، ستكون هي نفسها التي تقطر من دمائهم لاحقاً.
في عام 833م، ورث المعتصم دولة بلغت ذروة المجد والعلم، لكنه ورث معها عداءات قديمة بين العرب والفرس. ولأنه كان ابن أم تركية (ماردة بنت شبيب)، وجد في أخواله الأتراك ملاذاً آمناً. لم يجندهم فقط، بل استجلبهم بالآلاف من أواسط آسيا، متوسماً فيهم القوة والولاء الشخصي له بعيداً عن صراعات القصر.
أغدق عليهم الأموال، وألبسهم الحرير والذهب، وميزهم عن الجميع. لكن هؤلاء الجنود، الذين لم يعرفوا لغة العرب ولا عادات بغداد، عاثوا في المدينة فساداً؛ كانوا يركضون بخيولهم في الأسواق الضيقة فيدهسون المارة، ويهينون الشيوخ. ضج أهل بغداد، ووصل الأمر ببعضهم لتهديد الخليفة بـ "سهام الليل" (أي دعاء المظلوم)، وهي الكلمة التي هزت المعتصم وجعلته يدرك أن البقاء في بغداد مستحيل.
وهنا جاء القرار التاريخي: "سأبني لهم مدينة وعاصمة لا يرى الناس فيها غيري وغيرهم". وهكذا شيد "سُرَّ من رأى" (سامراء)، معجزة العمران في وقتها. عزل جيشه هناك ليكونوا "درع الخلافة"، وعاش هو سنواته الأخيرة قوياً مهاباً، فالمعتصم كان بطلًا شجاعاً وقوياً جسدياً لدرجة أنه كان يمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، ولم يجرؤ قائد تركي على رفع عينه فيه.
لكن الخطأ القاتل لم يظهر إلا بعد موته. فقد ورث ابنه (الواثق) ثم (المتوكل) هذا الجيش الضخم، دون أن يرثوا هيبة المعتصم الشخصية. أدرك القادة الأتراك (مثل إيتاخ وأشناس ووصيف) أن الخليفة بدونهم لا يساوي شيئاً.
بدأت المأساة الحقيقية في ليلة مظلمة عام 861م، حين انقلب السحر على الساحر. تآمر القادة الأتراك مع ابن الخليفة المتوكل، ودخلوا عليه وهو في مجلس شرابه، وقتلوه بسيوفهم التركية التي اشتراها أبوه لحمايته. لم تكن مجرد عملية اغتيال، بل كانت إعلاناً رسمياً لنهاية سيادة الخليفة.
دخلت الدولة بعدها فيما عرف تاريخياً بـ "فوضى سامراء"، حيث قُتل أربعة خلفاء في أقل من عشر سنوات! أصبح الخليفة مجرد دمية، كما قال الشاعر في وصفهم: "خليفةٌ في قفصٍ .. بين وصيفٍ وبُغا يقولُ ما قالا لهُ .. كما تقولُ الببغاء"
بنى المعتصم سامراء ليحكم العالم، لكنها تحولت في النهاية إلى سجن كبير، ماتت فيه هيبة الخلافة العباسية للأبد."
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)



تعليقات
إرسال تعليق