المواجهة والرحمة

 

هل تخيلت يوماً أن تصبح فُوْهَة بندقية عدوك هي طوق نجاتك الوحيد؟



في ديسمبرَ من عامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وأربعين، كانت السماء فوق ألمانيا تشهد مشهداً يحبس الأنفاس.. قاذفةٌ أمريكيةٌ من طرازِ (B-17) تترنحُ كطيرٍ جريحٍ في قلب الجحيم.. لم تكن مجردَ طائرةٍ محطمةٍ، بل كانت أشبهَ بغربالٍ طائرٍ يقطرُ دماً من كل جانب.. الرياح المتجمدة تعصف بالداخل، ومحركاتُها تخرجُ أنفاسَها الأخيرةَ.. أما طاقمُها، فكانوا بين جريحٍ يئنُّ ويائسٍ يغمض عينيه بانتظارِ رصاصةِ الرحمة.

خلفهم مباشرةً، ومن بين الغيوم، ظهرت طائرةُ "ميسرشميت" ألمانيةٌ كأنها ملك الموت.. يقودُها (فرانز ستيجلر)، الطيارُ الذي لم يكن يفصله عن لقب "البطل القومي" سوى ضغطة زر واحدة.. لكنه عندما اقتربَ، ونظرَ من خلالِ فجوات الهيكل الممزق، رأى ما لا يراه الجنود عادةً.. رأى وجوهَ فتيةٍ خائفين، والدماءَ التي صَبَغت المقصورةَ بالكامل.. في تلك اللحظة، حدث شيءٌ زلزلَ قوانينَ الحربِ داخل قلبه.



تذكرَ فرانز وصيةَ قائدِهِ القديمة: "الشرفُ لا يُجزأ".. تذكر أن قتلَ رجلٍ يحتمي بـ ملاذٍ عاجزٍ هو عارٌ سيلاحقك للأبد، فاعتبرَ تلك الطائرةَ الممزقةَ ملاذاً كبيراً يحمي أرواحاً لم تعد تملكُ حتى قوة الصراخ.. وبدلاً من إطلاقِ النار، طارَ بجوارهم تماماً.. حتى استطاعَ الطيارُ الأمريكيُّ (تشارلي براون) أن يلمحَ ملامح وجهه ولون عينيه.



تشارلي ظنَّ أنها النهايةُ، وأغمض عينيه مستعداً للموت.. لكنَّ فرانز بدأ يشيرُ إليهم بيدهِ، يوجههم كأنه مرشدٌ سياحيٌّ نحو برِّ الأمانِ.. ولم يكتفِ بذلك، بل جعلَ طائرتَهُ درعاً حقيقياً يحجبهم عن أعين مضاداتِ الطائراتِ الأرضيةِ.. التي ظنَّ جنودُها أن طيارهم "البطل" يسحبُ صيداً ثميناً للاستسلامِ، ولم يدركوا أنه كان يحمي "عدواً" من الموت.



وعندما وصلوا إلى حدودِ البحرِ المفتوح، أدى فرانز التحيةَ العسكريةَ بكل وقارٍ، وغابَ فجأةً في الأفقِ.. تاركاً تشارلي في ذهولٍ وحيرةٍ استمرت لخمسين عاماً.. حتى اجتمعا مجدداً وهما عجوزانِ، ليحكيا للعالمِ أن الرحمةَ قد تُزهرُ حتى في أقسى لحظاتِ الحربِ، وأن الإنسانيةَ لا تعرفُ حدوداً ولا ألواناً.



تعليقات

المشاركات الشائعة