"مدينةٌ كاملة ابتلعَها البحرُ في ليلةٍ واحدة — وأهلُها كانوا يعلمون"
المدينةُ التي ابتلعَها البحرُ
في ليلةٍ واحدة
البرتغالُ، عامَ ألفٍ وسبعمئةٍ وخمسةٍ وخمسين.
كانت لشبونةُ في تلك الحقبةِ تاجَ أوروبا ودرَّتَها — مدينةٌ تفيضُ بالرخاءِ والفنونِ والتجارةِ البحريةِ، يقصدُها التجارُ من أقاصي القارات، وتزهو بكنائسَ شامخةٍ وأسواقٍ عامرة.
في صباحِ الأوّلِ من نوفمبر — يومِ عيدِ القديسين — كان الناسُ يرتدون ثيابَهم البيضاء، ويتوافدون على الكنائس، والشموعُ مُضاءةٌ، والأجراسُ تُرنِّم.
ثمَّ اهتزَّت الأرض.
في تمامِ الساعةِ التاسعةِ وأربعين دقيقةً صباحاً، ضربَ زلزالٌ مروِّعٌ بلغَت قوَّتُه تسعَ درجاتٍ — وهو ما لم تشهَدهُ أوروبا من قبلُ ولا من بعد.
تصدَّعَت الجدرانُ. انهارَت الكنائسُ على مَن فيها. وتحوَّلَت الشوارعُ في لحظاتٍ إلى أنقاض.
هربَ الناجون نحوَ الميناء — ظنُّوا أن البحرَ ملاذُهم وأمانُهم.
لحظاتٌ من الصمتِ المطبق. وقفَ الناسُ على الشاطئ المكشوف — يرون قاعَ البحرِ عارياً للمرةِ الأولى. والأسماكُ تتخبَّط. والسفنُ الراسيةُ تتمايل.
لم يفهَم أحدٌ ما يحدث.
ثمَّ عادَ البحر.
موجةٌ هائلةٌ بارتفاعِ عشرين متراً اقتلعَت الميناءَ وما فيه، وابتلعَت الشوارعَ والمبانيَ والأرواح.
ستُّون ألفَ إنسانٍ لقوا حتفَهم في ساعةٍ واحدة. مدينةٌ بأكملِها — مُحيَت.
لكنَّ الأغرب من كلِّ هذا؟
قبلَ ساعاتٍ من الزلزال — هربَت الحيوانات.
الكلابُ انسلَّت من بيوتِها. الخيولُ كسرَت حظائرَها. الطيورُ تركَت أشجارَها. كلُّها توجَّهَت نحوَ الجبال.
أهلُ المدينةِ رأوا ذلك — وتعجَّبوا — وبقوا.
العبرة
الطبيعةُ لا تُحذِّرُ بالكلامِ — تُحذِّرُ بالعلامات.
وكثيرٌ من الكوارثِ في حياةِ الإنسان — سواءٌ أكانت زلازلَ أم أزماتٍ أم نهاياتٍ —
تسبقُها إشاراتٌ واضحة يتجاهلُها من اعتادَ على الأمان.
من لا يقرأُ ما حولَه — يدفعُ ثمنَ غفلتِه وحده.
التاريخُ يُعيدُ نفسَه — لكن فقط لمَن لا يقرأُه.
تابع القصص التاريخية
تعليقات
إرسال تعليق