الرسالة التي قتلت إمبراطورية
الرسالة التي قتلت إمبراطوريةصاحبُ هذه الكلمات لم يَعُد موجوداً
لا تفتح هذه الرسالة — صاحبها لم يعد موجوداً.
قبل أن تقرأ السطور القادمة، جرد نفسك من معرفتك بنهاية القصة. تخيل أنك تعيش في عام ١٢٥٨ ميلادي. أنت تقف في بغداد، عاصمة العالم بلا منازع. مدينةٌ تتلألأ بقبابها، وتضجّ بأسواقها، وتحتضن أعظم عقول الأرض في "بيت الحكمة".
على العرش يجلس الخليفة المستعصم بالله. رجلٌ ورث إمبراطورية امتدت لقرون، واعتاد أن يرى ملوك الأرض يتذللون على عتبات قصره. لكن خارج أسوار مدينته المنيعة، كان هناك شيءٌ مرعب يتشكل. عاصفةٌ من الغبار القادم من الشرق لا تشبه أي عاصفة أخرى.
مئة وخمسون ألف جندي مغولي. جيشٌ لا يعرف التراجع، يقودهم هولاكو خان. وقفوا خارج أسوار بغداد كأمواج محيطٍ هائج ينتظر إشارة العبور. هولاكو لم يكن يريد مجرد الانتصار، كان يريد محو فكرة "بغداد" من الوجود. أرسل وعيده إلى الخليفة، طالباً الاستسلام الفوري لتجنب الإبادة.
" alt="جيش المغول بقيادة هولاكو" />في الداخل، جلس الخليفة المستعصم. ماذا تفعل حين يقف الموت على بابك؟ المنطق يقول أن تستعد، أن تفاوض، أو أن تحشد جيوشك للدفاع عن وجودك. لكن المستعصم أمسك بقلمه، وكتب رسالةً إلى هولاكو.
لم يكتب في رسالته: "أرجوك ارحل". ولم يكتب: "نحن نستسلم".
كتب كما يكتب الحاكم المنيع لمن هو دونه. كتب بلغة الأوامر، بلغة السلطة المطلقة والتوبيخ. حذّر هولاكو من غضب الله، ومن جيوش المسلمين التي ستأتيه من كل فجٍ عميق إذا مسّ شعرةً من بغداد.
كانت كلماته تقطر كبرياءً، كأن الجيش الجرار الذي يحجب قرص الشمس خارج الأسوار ليس حقيقياً. كأن التاريخ سيتوقف إجلالاً له ولن يجرؤ على اجتياز بوابة مدينته.








تعليقات
إرسال تعليق