المدينة الملعونة
المدينة التي ابتلعها المحيط في ٣ دقائقبورت رويال.. عاصمة الخطيئة التي غضبت عليها الأرض
تخيل مدينةً لا تنام، ليس بسبب الأضواء، بل بسبب الذهب والرصاص. نحن الآن في أواخر القرن السابع عشر. إذا كان لديك ماضٍ أسود، أو سفينة مسروقة، أو صناديق من الذهب الإسباني المنهوب، فهناك مكان واحد فقط في العالم سيرحب بك بأذرع مفتوحة: مدينة بورت رويال في جامايكا.
alt="مدينة بورت رويال في أوج ازدهارها" />كانت تُعرف بـ "أكثر مدن الأرض خطيئة". شوارعها تفيض بالقراصنة، الحانات في كل زاوية، وأموال لا حصر لها تُنفق في ليلة واحدة. القراصنة المشاهير مثل "هنري مورغان" كانوا يمشون في شوارعها كالملوك. المدينة كانت مبنية على الغرور المطلق، وعلى شعور بأن الذهب يشتري كل شيء.. حتى غضب الطبيعة.
صباح يوم الثلاثاء، ٧ يونيو ١٦٩٢. كان الجو حاراً وخانقاً على غير العادة، لكن الحياة في بورت رويال كانت تسير كالمعتاد. التجار يساومون على الحرير، والقراصنة يفرغون حمولات سفنهم المنهوبة، والحانات ممتلئة بالسكارى منذ الصباح الباكر.
لم يكن أحد يعلم أن المدينة بأكملها كانت مبنية على "أساس من الرمل". حرفياً، كانت بورت رويال مشيدة على لسان رملي يمتد داخل البحر الكاريبي. المهندسون لم يهتموا، والباحثون عن الثراء السريع لم يكترثوا.. طالما أن الذهب يتدفق.
alt="القراصنة في شوارع بورت رويال" />في تمام الساعة الحادية عشرة وثلاث وأربعين دقيقة.. توقف كل شيء. سُمع زئيرٌ مرعب قادم من أعماق الأرض. لم يكن زلزالاً عادياً، بل كان زلزالاً بقوة تقدر بـ ٧.٥ درجات.
المرعب لم يكن الاهتزاز بحد ذاته، بل ما حدث للأرض. بسبب ظاهرة جيولوجية تُسمى "التميّع" (Liquefaction)، تحولت الأرض الرملية الصلبة تحت أقدام الناس إلى سائل يشبه الرمال المتحركة. الشوارع فُتحت كأفواه عملاقة، والمباني الحجرية الضخمة بدأت تغوص في الأرض وهي لا تزال سليمة وكأنها تُسحب إلى الجحيم.
alt="الزلزال يضرب بورت رويال" />الناس كانوا يركضون، لكن الأرض كانت تبتلعهم حتى خصورهم، ثم حتى أعناقهم. وعندما توقف الاهتزاز، عادت الأرض لتتصلب فجأة، خانقةً المئات من البشر وهم مدفونون أحياء، تاركةً رؤوسهم فقط فوق السطح.
ظن الناجون أن الأسوأ قد مرّ. نظروا نحو البحر بخوف.. فرأوا المياه تتراجع بشكل مخيف، تاركةً السفن غارقة في الطين. وفي تلك اللحظة، أدرك البحارة ذوو الخبرة الحقيقة المرعبة.
"البحر لا يهرب.. إنه يتراجع ليأخذ نفساً عميقاً قبل أن يضرب."






تعليقات
إرسال تعليق