حرب البسوس
الناقة التي أحرقت العرب ٤٠ عاماًملحمة البسوس.. حينما تحول الكبرياء إلى أنهار من الدم
تخيل معي حرباً لا تنتهي. حرباً يُولد فيها الطفل، يكبر، يشيب، ثم يُقتل فيها.. وهو لا يعرف لماذا بدأت أصلاً! تخيل جثثاً تملأ الصحراء، وقبائل تبيد بعضها البعض، وفرساناً ينسون طعم النوم لعقود.
لو سألتهم: هل تقاتلون من أجل الذهب؟ لقالوا لا. هل من أجل أرض عظيمة؟ لقالوا لا.
كل هذا الدم، كل هذا الخراب، كان بسبب شيء واحد فقط.. ناقة.
نحن الآن في العصر الجاهلي. سُيد العرب غير المتوج هو "كليب بن ربيعة". زعيم قبيلة تغلب، رجلٌ بلغ به الكبرياء والغطرسة مبلغاً لم يصله أحد من قبله. كان إذا جلس في مكان، حرّم على أحد أن يمر به. وإذا أشار إلى مرعى، لا تجرؤ قبيلة على أن ترعى إبلها فيه، حتى سُمي "حِمى كليب". كان يرى نفسه إلهاً يمشي على الأرض، لا يُسأل عما يفعل.
في خيمة مجاورة تابعة لقبيلة بكر (أبناء عمومة تغلب)، كانت تقيم امرأة عجوز تُدعى "البسوس"، ضيفةً عند ابن أختها الفارس الشاب "جساس بن مرة".
ذات صباح، شردت ناقة البسوس ودخلت بالخطأ إلى "حِمى كليب" المحرم. كليب، الذي أعمى الكبرياء بصيرته، لم يكتفِ بطرد الناقة. بل سحب قوسه، ورمى الناقة بسهم استقر في ضرعها. عادت الناقة تركض وتنزف دماً حتى سقطت أمام خيمة العجوز.
صرخت البسوس صرختها الشهيرة التي مزقت هدوء الصحراء: "وا ذلاه.. وا غربتاه!".
هذه الكلمات لم تقع على أذن جساس كعتاب، بل وقعت كالجمر. كيف يُهان ضيفه في عقر داره؟ كيف يكسر كليب كبرياء قبيلة بكر كلها بسبب مرعى؟ ركب جساس فرسه، والغضب يغلي في عروقه، وانطلق باحثاً عن كليب.
وجده أعزل. طعنه جساس برمح غادر في ظهره. سقط ملك العرب ينزف على رمال الصحراء القاحلة. طلب كليب شربة ماء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكن جساساً رفض. مات كليب، ومعه ماتت كل فرص السلام في الجزيرة العربية.
وصل الخبر إلى أخي كليب.. "الزير سالم" (عدي بن ربيعة). رجلٌ كان يقضي أيامه في الحانات، مخموراً، يكتب الشعر ويعاشر النساء، حتى أن أخاه كليب كان يحتقره لضياعه.
لكن حين وصله خبر مقتل أخيه، سقط كأس الخمر من يده. نظر إلى الفراغ وقال كلمته التي خلدها التاريخ:
"اليوم خمرٌ، وغداً أمر."
في تلك الليلة، مات الشاعر المخمور، ووُلد وحشٌ لا يعرف الرحمة. حلق الزير سالم رأسه، وحرم على نفسه الخمر والنساء، وأقسم يميناً مرعباً: "لن أصالح بكر، ولن أغسل رأسي، حتى تُكلمني الأرض، أو أُبيد قبيلة بكر عن بكرة أبيها."
جاءت قبيلة بكر تعتذر، وتعرض "الدية" (أموالاً طائلة تعويضاً عن الدم). لكن الزير سالم رفض كل شيء. سألوه: "ماذا يرضيك؟" فأجاب بعيون يملؤها الجنون: "أريد كليباً حياً."
وبدأت المحرقة. تغلب ضد بكر. أبناء العمومة يقطعون رؤوس بعضهم البعض. اشتعلت معارك طاحنة سجلها التاريخ بأسمائها المرعبة: "يوم الذنائب"، "يوم التحالق"، "يوم القصيبات".
الزير سالم كان يقاتل كالشيطان. لم يكن يقتل الفرسان فقط، بل كان يقتل كل من ينتمي لقبيلة بكر. الدماء شكلت بركاً في الصحراء، والنسور شبعت من لحوم أسياد العرب.
استمرت الحرب أربعين عاماً كاملة. تخيل هذا الرقم! أطفالٌ وُلدوا في خيام تفوح منها رائحة الثأر، كبروا، حملوا السيوف، وقُتلوا في نفس المعركة التي مات فيها أجدادهم. القبيلتان العظيمتان ضعفتا، تمزقتا، وأصبحتا أثراً بعد عين. كل ذلك.. من أجل ناقة، ومن أجل كبرياء رفض أن ينكسر فكسر أمة بأكملها.
انتهت الحرب ليس بانتصار أحد، بل بانهيار الجميع. الزير سالم كبر في السن، فقد بصره، وطُرد ليهيم في الصحراء وحيداً ومات مقتولاً على يد عبدين خائنين. جساس قُتل. كليب تحت التراب. والقبيلتان خسرتا زهرة شبابهما.
هدأت الصحراء أخيراً، لكنها لم تعد كما كانت.
أسوأ الكوارث في تاريخ البشرية لا تبدأ بالضرورة بأسباب عظيمة.
الغطرسة التي تجعلك تعتقد أنك فوق الجميع (كليب)، والغضب الأعمى الذي يجعلك تثأر بلا عقل (جساس)، والرفض المطلق للتسامح (الزير سالم).. هي وصفة مضمونة لدمار شامل.
أحياناً.. شرارةٌ صغيرة من الكبرياء، تكفي لإحراق غابة بأكملها.




تعليقات
إرسال تعليق