جريمة مزرعة هينتر كايفك
مزرعة هينتركايفيك
في عمق الريف البافاري الكئيب، وعلى بعد كيلومترات قليلة من قرية "جروبيرن" الصغيرة، كانت تقبع مزرعة معزولة تُدعى هينتركايفيك (Hinterkaifeck). لم تكن هذه المزرعة مجرد بناء ريفي عادي، بل كانت أشبه بقلعة خشبية محاطة بغابات كثيفة وسهول شاسعة يغطيها الجليد في الشتاء. في هذه البقعة المقطوعة عن العالم، حيث لا وجود لكهرباء أو خطوط هاتف، تفجرت واحدة من أكثر القصص الجنائية سريالية ورعباً في القرن العشرين. قصة لا تكمن وحشيتها في طريقة القتل فحسب، بل في التفاصيل السيكولوجية المرعبة التي سبقت الجريمة وتلتها، لتبقى حتى اليوم لغزاً مستعصياً على الحل تحدى أعتى المحققين وعلماء الجريمة لأكثر من قرن من الزمان.
أولاً: عائلة غروبر وبيئة العزلة والشك
لتقصي حقائق هذه المأساة، يجب أولاً فهم طبيعة الأشخاص الذين عاشوا داخل هينتركايفيك. كانت المزرعة ملكاً لعائلة غروبر-غابرييل، وهي عائلة لم تكن تحظى بشعبية كبيرة في الجوار. كان رب الأسرة، أندرياس غروبر (63 سنة)، رجلاً فظاً، بخيلاً، ومنعزلاً عن المجتمع. انتشرت شائعات كثيرة حول قسوته وسلوكه الاستبدادي داخل المنزل. زوجته كازيليا غروبر (63 سنة) كانت امرأة خاضعة ومنهكة من العمل الشاق وطباع زوجها الحادة.
عاش معهما في المزرعة ابنتهما الأرملة فيكتوريا غابرييل (35 سنة)، والتي قُتل زوجها "كارل غابرييل" في خنادق الحرب العالمية الأولى عام 1914 بحسب التقارير الرسمية. فيكتوريا كانت تمتلك صوتاً جميلاً وتغني في جوقة الكنيسة المحلية، لكن حياتها كانت مليئة بالأسرار. كان هناك أيضاً طفلان: كازيليا الصغيرة (7 سنوات)، ويوزف (سنتان). الغموض أحاط بهوية والد الطفل الصغير يوزف، حيث ثارت شائعات وتوترات قانونية واجتماعية في القرية حول هذا الأمر، مما زاد من عزلة العائلة ونفور الجيران منهم.
ثانياً: النذر المشؤومة وشيطان العلية
لم تقع مجزرة هينتركايفيك فجأة، بل سبقتها سلسلة من الأحداث الغريبة التي لو وقعت في عصرنا هذا لكانت مادة خصبة لأفلام الرعب النفسي. بدأت الحكاية قبل أشهر من ليلة الجريمة، وتحديداً في أواخر عام 1941، عندما حزمت الخادمة السابقة حقائبها فجأة وقررت مغادرة المزرعة فوراً دون الالتفات وراءها. الخادمة كانت ترتجف هلعاً، وقالت لأهل القرية إن المزرعة "مسكونة"، وأقسمت أنها تسمع أصوات خطوات مستمرة في العلية، وهمسات غير مفهومة خلف الجدران، وتغيرات في أماكن الأثاث. اعتبر أندرياس غروبر كلامها مجرد خرافات نسائية ورفض تصديقها.
لكن مع حلول شهر مارس 1922، بدأت الظواهر تأخذ طابعاً مادياً لا يمكن تجاهله. في أحد الصباحات، وجد أندرياس غروبر آثار أقدام واضحة في الثلج. كانت الآثار قادمة من حافة الغابة المحيطة ومتجهة مباشرة نحو المزرعة، ولما تتبعها أندرياس بحثاً عن آثار العودة، صُدم بأنها تنتهي عند جدار المنزل! شخص ما دخل المزرعة ولم يخرج منها أبداً.
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ ففي الأيام التالية، عثر أندرياس في فناء المنزل على صحيفة غريبة لم يسبق له الاشتراك بها، ولم تكن تباع في الجوار. وفي إحدى الليالي، تسبب صوت خطوات ثقيلة فوق سقف غرف النوم في استيقاظ العائلة، ونزل أندرياس ليتفقد الأمر حاملاً بندقيته القديمة، لكنه لم يجد أحداً. ثم اختفت مفاتيح المزرعة الحديدية الرئيسية بشكل غامض، ووجد أحدهم خدوشاً غريبة على قفل باب الحظيرة كأن شخصاً حاول اقتحامها أو العبث بها. ورغم كل هذه الإشارات المرعبة، رفض أندرياس المتغطرس طلب المساعدة من الجيران أو إبلاغ الشرطة في البلدة المجاورة.
خلف الجدران الخشبية السميكة للمزرعة، وفي العتمة المطلقة للعلية، كان القاتل يربض هناك. يتنفس هوائهم، يأكل من مؤونتهم، وينتظر اللحظة المثالية للنزول.
ثالثاً: ليلة السقوط والقتل الممنهج
في ظهيرة يوم 31 مارس 1922، وصلت الخادمة الجديدة، ماريا باومغارتنر (44 سنة)، إلى المزرعة لمباشرة عملها في يومها الأول. كانت ماريا تعتقد أنها حصلت على وظيفة مستقرة، ولم تكن تعلم أن قدميها قادتاها إلى مسلخ بشري. أوصلتها شقيقتها إلى المزرعة وغادرت، لتكون ماريا آخر شخص غريب يرى العائلة على قيد الحياة.
تشير التحقيقات الجنائية اللاحقة إلى أن الجريمة نُفذت في مساء تلك الليلة بأسلوب استدراج ممنهج وبارد. يبدو أن القاتل، الذي كان يختبئ في العلية أو الحظيرة المتصلة بالمنزل، قام بإحداث جلبة أو أصوات غريبة في حظيرة الماشية. خرج أندرياس غروبر أولاً ليتفقد الأمر؛ وبمجرد دخوله عتمة الحظيرة، عاجله القاتل بضربة قاضية على رأسه باستخدام فأس ثقيلة مخصصة لتكسير الخشب (الماتوك)، شقت جمجمته على الفور.
عندما تأخر أندرياس، خرجت زوجته كازيليا تبحث عنه، فلقيت نفس المصير المأساوي بضربة دقيقة في الظلام. ثم تلتها ابنتها فيكتوريا التي استُدرجت إلى نفس البقعة لتسقط جثة هامدة فوق جثتي والديها. وأخيراً، لحقت بهم الطفلة الصغيرة كازيليا ذات السبع سنوات. كانت الدماء تغطي أرضية الحظيرة، والجثث كُوّمت فوق بعضها البعض وغُطيت بالقش وألواح الخشب القديمة.
لم يكتفِ القاتل بذلك؛ بل تحرك بدم بارد نحو المبنى السكني. دخل غرفة الخادمة الجديدة ماريا باومغارتنر التي كانت تفرغ حقائبها، وقتلها على سريرها قبل أن تستوعب ما يحدث. وفي النهاية، توجه القاتل نحو عربة الأطفال الصغيرة حيث كان ينام الطفل الرضيع يوزف ابن السنتين، وهشم رأسه وهو في مهده. في غضون ساعة واحدة، أُبيدت حياة كاملة داخل هينتركايفيك.
رابعاً: الكابوس الحقيقي.. العيش مع الجثث
إذا كانت تفاصيل القتل وحشية، فإن ما حدث بعد الجريمة هو الجزء الأكثر رعباً وسريالية في القضية برمتها. القاتل لم يفر هارباً بعد إتمام مجزرته؛ بل قرر الاستقرار في المزرعة لمدة أربعة أيام كاملة مع جثث ضحاياه الستة!
خلال هذه الأيام الأربعة (من 1 إلى 4 أبريل)، مارس القاتل حياته بشكل طبيعي ومذهل داخل المزرعة المعزولة. تشير الأدلة المادية التي عثرت عليها الشرطة لاحقاً إلى ما يلي:
- إطعام الماشية: قام القاتل بحلب الأبقار بانتظام وإطعام الخيول والحيوانات طوال فترة إقامته، لضمان عدم إصدارها لأصوات صاخبة تثير انتباه المارة.
- تناول الطعام: كان القاتل يطبخ في المطبخ، ويأكل من لحوم العائلة ومؤونتها المخزنة. وعُثر على بقايا وجبات حديثة أُكلت بالكامل.
- التدفئة والنوم: لاحظ الجيران طوال تلك الأيام أن تصاعد الدخان من مدخنة المزرعة لم يتوقف، مما يعني أن القاتل كان يشعل الحطب للتدفئة، بل إنه نام في الأسرة الدافئة لأصحاب المزرعة الذين قتلهم بيده.
- استقبال الغرباء بشكل غير مباشر: في أحد تلك الأيام، جاء مصلح آلات زراعية لإصلاح إحدى المعدات، وقضى عدة ساعات في الفناء والمخزن ينجز عمله دون أن يرى أحداً، لكنه لاحظ أن كلب المزرعة كان مربوطاً بعناية، وسمع أصوات حركات بالداخل. القاتل كان يراقبه في صمت من وراء الستائر المغلَقة.
خامساً: الاكتشاف الصادم وتحقيقات الشرطة المشلولة
في الرابع من أبريل 1942، بدأ القلق يتسرب إلى سكان القرية. الطفلة كازيليا غابت عن المدرسة لعدة أيام متتالية، والعائلة لم تظهر في الكنيسة يوم الأحد، والبريد بدأ يتراكم عند المدخل. قرر ثلاثة من الجيران، يقودهم رجل يدعى لورينز شليتنباور، الذهاب إلى المزرعة لتقصي الأمر.
عند وصولهم، وجدوا هدوءاً مريباً. طرقوا الأبواب فلم يجب أحد. دخلوا عبر الحظيرة، وهناك انقشع الضباب عن أبشع كابوس يمكن أن يراه إنسان. عثروا على الجثث الأربع الأولى تحت القش، ثم اكتشفوا جثتي الخادمة والرضيع بالداخل. صُعق الجيران وهرعوا لإبلاغ شرطة ميونخ.
وصل المحققون وعلى رأسهم المفتش الشهير جورج راينغروبر. واجهت التحقيقات عقبات هائلة منذ الساعات الأولى؛ إذ إن الجيران الذين اكتشفوا الجثث قاموا بالعبث بمسرح الجريمة، وتحريك الأجسام، وطبخ الطعام في المطبخ، مما أدى إلى طمس بصمات القاتل وأدلته الجنائية تماماً.
أجرى أطباء التشريح الفحوصات في موقع الجريمة، وجاءت النتائج مرعبة بشكل خاص فيما يتعلق بالطفلة كازيليا (7 سنوات)؛ إذ تبين أنها لم تمت فوراً بعد الضربة، بل بقيت على قيد الحياة لعدة ساعات في الظلام الدامس إلى جانب جثث عائلتها، وكانت تقلع شعرها من الفزع والصدمة قبل أن تفارق الحياة.
سادساً: المشتبه بهم ونظريات القضية
استجوبت الشرطة الألمانية على مدار العقود الماضية أكثر من 100 مشتبه به، وتنوعت النظريات وتداخلت الدوافع السياسية والعاطفية والمادية، لكن دون الوصول إلى دليل قاطع. ومن أبرز المشتبه بهم:
1. لورينز شليتنباور (Lorenz Schlittenbauer)
الجار الذي قاد فرقة البحث وعثر على الجثث. كانت لديه علاقة عاطفية سابقة ومضطربة مع الابنة فيكتوريا، وثارت خلافات حادة بينه وبين الأب أندرياس حول قضايا مالية وأبوة الطفل يوزف. ما أثار الشبهات حوله هو تصرفه الغريب يوم اكتشاف الجثث؛ إذ دخل إلى المزرعة وحده وبدا وكأنه يعرف مكان الجثث بدقة، ولم يظهر عليه أي خوف من احتمال وجود القاتل بالداخل، بل إنه قام بتحريك الجثث قبل وصول الشرطة. ورغم الشبهات القوية، لم تجد الشرطة أي دليل مادي يربطه بأداة القتل، وعاش بقية حياته يرفع قضايا قذف وتشهير ضد من يتهمونه بالجريمة في القرية.
2. كارل غابرييل (Karl Gabriel)
زوج فيكتوريا الذي أُعلن عن مقتله في الحرب العالمية الأولى. ظهرت نظرية مرعبة تقول إن كارل لم يمت في فرنسا، بل أُسر أو زيف موته، وعاد بعد سنوات ليجد زوجته قد أنجبت طفلاً آخر وعائلتها تعيش في عزلة، فقرر الانتقام وإبادة العائلة بأكملها. عزز هذه النظرية شهادات بعض الجنود بعد الحرب الذين أقسموا أنهم التقوا بجندي يزعم أنه كارل غابرييل وأنه ينوي العودة لمزرعته. لو كان هو القاتل، فإن هذا يفسر لماذا هدأ الكلب ولم ينبح، ولماذا عاش القاتل في المنزل براحة تامة؛ لأنه كان ببساطة يعود إلى بيته القديم.
3. المتشردون واللصوص
في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى (جمهورية فايمار)، كانت ألمانيا تعاني من فوضى عارمة، وكان هناك آلاف الجنود المسرحين والمتشردين الذين يجوبون الريف بحثاً عن الطعام والمال. سادت نظرية بأن عصابة من اللصوص اقتحمت المزرعة بدافع السرقة. لكن هذه النظرية سقطت سريعاً؛ لأن الشرطة عثرت على مبالغ مالية ضخمة ومدخرات ذهبية في المنزل لم تُلمس، واللصوص لا يقضون أربعة أيام في حلب الأبقار وإطعام الخيول بعد القتل.
السؤال المفتوح: تحليل المحقق المعاصر
إذا نظرنا إلى هذه القضية بعيون القرن الحادي والعشرين، نجد أن التفاصيل الأكثر رعباً تكمن في الجانب السيكولوجي للقاتل. الجريمة تتجاوز القتل العادي إلى رغبة في الحلول والبديل. بناءً على معطيات القصة، ما هو العنصر الأكثر إثارة للفزع بالنسبة لك؟
- الوجود الخفي: فكرة أن يعيش غريب في علية منزلك لأيام، يستمع إلى ضحكات الأطفال، خطوات الأقدام، يتناول طعامك في الخفاء، وأنت لا تدري أن ملك الموت ينام فوق سقف غرفتك مباشرة.
- برود ما بعد المذبحة: أن يقتل شخص ستة أرواح بشرية، بينهم أطفال ورضع، ثم يتوجه بكل بساطة إلى المطبخ لإعداد وجبة عشاء، ثم يذهب إلى الحظيرة ليحلب الأبقار ويهتم بالحيوانات، كأن شيئاً لم يكن.
- عجز العدالة: أن تظل الجريمة غامضة ومفتوحة رغم مرور 104 سنوات، ورغم استخدام أحدث تقنيات تحليل الحمض النووي والذكاء الاصطناعي الجنائي في مراجعة الأوراق القديمة (مثلما فعلت أكاديمية الشرطة في "فورستنفلدبروك" عام 2007 دون الوصول لاسم قاطع)، لتظل الوجوه الحقيقية للضحايا والقاتل طي النسيان الأبدي.
سابعاً: نهاية المزرعة وخلود اللغز
في عام 1923، بعد عام واحد من المذبحة، قام الأهالي بهدم مزرعة هينتركايفيك بالكامل للتخلص من اللعنة والذكريات السوداء التي ارتبطت بالمكان. وأثناء عملية الهدم، عثر العمال على مفاجأة صادمة أخرى: أداة الجريمة الحقيقية (الفأس) كانت مخبأة بعناية تحت ألواح الأرضية الخشبية في العلية، إلى جانب بعض الأغراض الشخصية للقاتل، مما أكد تماماً أنه كان يعيش هناك ويتنقل بحرية.
اليوم، لا يوجد سوى نصب تذكاري صغير في بقعة زراعية هادئة حيث كانت تقف المزرعة ذات يوم. رحل الضحايا، ورحل القاتل بالتأكيد مستمتعاً بسرّه حتى الموت، وضاعت جماجم الضحايا (التي أُرسلت إلى ميونخ لفحصها من قبل قراء الغيب والعلماء) في فوضى الحرب العالمية الثانية. بقيت هينتركايفيك رمزاً مرعباً يذكرنا بأن أشد الشياطين فتكاً وقسوة قد لا يأتون من الجحيم، بل قد يكونون أولئك الذين يمشون بيننا، يحلبون أبقارنا، وينامون في عليّات بيوتنا المعزولة بانتظار ليلة الحساب.


تعليقات
إرسال تعليق