قصة الحج.. نداء يتردد منذ أربعة آلاف سنة
قبل أربعة آلاف سنة، في أرض جرداء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، أمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بأن يترك زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في وادٍ بين جبال مكة. كان الوادي يومها يُدعى "بطن مكة"، ولم يكن فيه شيء سوى الحجارة والرمال والشمس الحارقة.
حين بدأ إبراهيم يبتعد، نادت هاجر خلفه بصوتها الذي يحمل كل القلق الأمومي: «أالله أمرك بهذا؟» فأجابها بهدوء: «نعم». فقالت بثقة عميقة لا تهزها الصحراء: «إذن لن يضيّعنا الله».
هذه الكلمة البسيطة كانت بداية قصة إيمان غيّرت مجرى التاريخ البشري.
نفد الماء سريعاً. جف حلق الرضيع، وبدأ يبكي. ركضت هاجر بين جبلي الصفا والمروة سبع مرات، تتسلق وتنزل، تبحث عن ماء أو أثر بشري أو حتى ظل. كانت ترى ابنها من بعيد يتلوى من العطش، فتعود أدراجها راكضة. في الشوط السابع، وفي لحظة اليأس الأخير، سمعَت صوتاً. رفعت رأسها، فإذا بجبريل عليه السلام يقول: «من هذه؟» ثم ضرب الأرض بجناحه أو بقدمه، فانفجرت عين ماء نقي بارد — زمزم.
منذ ذلك اليوم، أصبح السعي بين الصفا والمروة شعيرة أساسية من شعائر الحج، تذكيراً بصبر أم وثقة زوجة وصدق نبي.
بناء البيت ونداء الأبد
مرت السنون، وكبر إسماعيل. جاء الأمر الإلهي الجديد لإبراهيم: ابنِ بيتاً لله. فبدأ الأب وابنه يرفعان القواعد من الحجارة، وهما يدعوان بدعاء خالد:
«ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم».
هكذا بُنيت الكعبة المشرفة، أول بيت وضع للناس، قِبلة لكل موحد على وجه الأرض.
ثم جاء الأمر الأعظم: أذّن في الناس بالحج. نظر إبراهيم إلى الصحراء الخالية، وتساءل في نفسه: كيف يصل هذا الصوت إلى الآذان في كل مكان؟ فجاء الجواب الإلهي: أذّن، وعلينا البلاغ.
فصعد إبراهيم على جبل أبي قبيس، ورفع صوته: «يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه».
يقول التفسير إن كل روح خلقت إلى يوم القيامة سمعت هذا النداء، فمن كُتب له الحج أجاب: لبيك اللهم لبيك. ومن لم يكتب له، حمل في قلبه شوقاً لهذا البيت حتى لو لم يره.
الاختبار الأكبر.. والفداء
ثم جاء الامتحان الذي يهز القلوب. رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل. لم يتردد. قال لابنه: «يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى». فأجاب الفتى الذي تربى على الطاعة: «يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين».
في طريقهما إلى منى، اعترضهما الشيطان ثلاث مرات — في مواضع الجمرات اليوم — يحاول أن يثنيهما عن طاعة الله. فرماه إبراهيم بالحجارة في كل مرة، وكذلك فعل إسماعيل. وهذا ما يفعله الحجاج حتى اليوم في رمي الجمرات: يرمون الشيطان ويرمون أهواء النفس.
عندما استل إبراهيم السكين على حلق ابنه، ناداه النداء الإلهي: «يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا». وفُدي إسماعيل بكبش عظيم من الجنة. فكان هذا أصل عيد الأضحى، وذبح الأضاحي تذكيراً بالطاعة والفداء.
من إبراهيم إلى محمد ﷺ
مرت القرون، ومرت الأجيال، وانحرف الناس عن دين إبراهيم. حُولت الكعبة إلى معبد للأصنام، وامتلأت بثلاثمائة وستين صنماً. حتى جاء النبي محمد ﷺ، خاتم الأنبياء، ففتح مكة فاتحاً رحيماً، وطهّر البيت من الأوثان بيده الشريفة، وردّ الحج إلى أصله الإبراهيمي النقي.
وفي حجة الوداع، وقف النبي ﷺ على جبل عرفة أمام أكثر من مئة ألف صحابي، وألقى خطبته الجامعة التي خلّدها التاريخ. قال فيها: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا... وإن كل مسلم أخ للمسلم، فلا يظلم أحدكم أخاه...».
ثم رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم هل بلّغت؟» فردّ الصحابة: «نعم». فقال: «اللهم اشهد».
الحج اليوم.. إجابة مستمرة
اليوم، يجتمع أكثر من ثلاثة ملايين حاج من مئة وثمانين دولة في مكة. يخلعون ثيابهم المزركشة، ويلبسون ثوبين أبيضين بسيطين، متساوين أمام الله. لا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وعجمي. الكل يردد:
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
يسعون بين الصفا والمروة سبع مرات. يقفون على عرفة يدعون ويبكون. يبيتون في مزدلفة. يرمون الجمرات. يطوفون حول الكعبة. يشربون من زمزم. يذبحون الأضاحي. كل ذلك امتثالاً لنداء إبراهيم الذي لم يمت.
الحج ليس مجرد شعائر جسدية. إنه رحلة روحية عميقة. هو خروج من الدنيا وأهوائها. هو تذكير بالموت حين يترك الإنسان كل شيء خلفه ويلبس كفنه الأبيض. هو تدريب على الوحدة والمساواة والتواضع. هو تجديد للعهد مع الله.
رسالة الحج الخالدة
في زمن الفتن والمادية والانقسامات، يظل الحج شاهداً على أن هناك قيمة أعلى من كل الدنيا. يظل شاهداً على أن الإيمان الحقيقي هو الاستسلام الكامل لله، كما استسلم إبراهيم وهاجر وإسماعيل.
كلما وقف حاج على عرفة، وكلما سعى بين الصفا والمروة، وكلما رجم الجمرات، فإنه يعيد حكاية الإيمان من جديد. يقول للعالم: نحن أمة لا تزال تجيب النداء الذي أطلقه إبراهيم قبل أربعة آلاف سنة.
لبيك اللهم لبيك. نداء لا ينتهي. دعوة لا تموت. قصة إيمان تتجدد في كل موسم.
https://www.tiktok.com/@ssarch2/video/7646250794819259669?q=ssarch2&t=1780383849421

تعليقات
إرسال تعليق