قصة رانيا العباسي — الطبيبة التي كانت رحمتها تهمتها
في دمشق التي كانت تحترق ببطء، كانت رانيا العباسي تؤمن بشيء واحد: الطب رسالة، لا مهنة.
لم تكن عيادتها مجرد كراسي بيضاء وأدوات طبية باردة. كانت ملجأً حقيقياً في زمن انهارت فيه الملاجئ. تعالج من لا يملك ثمن الدواء، وتطعم من لا يجد ثمن الخبز، وتفتح بابها لعائلات نازحة قادمة من حمص الجريحة نحو دمشق الخائفة — تحمل أطفالها بيد وذاكرتها المحترقة بيد أخرى.
كانت بطلة شطرنج في الملاعب. وبطلة صامتة في الأزقة. تُحرّك قطعها بهدوء، لا تطلب تصفيقاً ولا لافتة. لم تكن تعرف، ولا لحظة واحدة، أن رحمتها ستتحول يوماً إلى تهمة.
في مارس 2013، دقّ الباب. لم يكن طرقاً — كان اقتحاماً.
اعتقلوا الزوج أولاً، كما يفعل الجبناء دائماً — يبدأون بالأقوى ليُرعبوا الأضعف. ثم عادوا. أخذوا رانيا. أخذوا أطفالها الستة. أخذوا سكرتيرتها. وأغلقوا الباب خلفهم إلى الأبد.
والجرح الذي لا يندمل: المخبر الذي دلّ عليهم، الذي رافق الدورية ليس حماسةً لقضية — بل لنهب مجوهراتهم، كان مريضاً. كان يجلس كل أسبوع على كرسي عيادتها. عضّت يدَ من داوت أسنانه بيدها.
مرّت ثلاثة عشر سنة من الانتظار المرّ. ثلاثة عشر عاماً والأخ يحمل صور الأطفال من باب إلى باب، من منظمة إلى أخرى، من بريد إلكتروني إلى آخر. أصبحت وجوه هؤلاء الأطفال أكبر من عائلة — صارت وجه كل طفل مغيَّب في سوريا، كل اسم لم يُكتب على قبر.
ثم جاء الإعلان. ذلك الإعلان الذي لا تُحتمل قراءته.
مقتل الأطفال الستة جميعاً، على يد من أسموه "سفاح التضامن" — أمجد يوسف. ظهر في تسجيل مصوّر، يتكلم بدم بارد وعيون فارغة: "تضحية لروح الشهيد." قالها كأنه يقرأ قائمة تسوّق. لم يرتجف. لم يتردد. قتل ستة أطفال وأسمى ذلك تضحية.
لكن ثمة جرح آخر، لا يقل ألماً، بل ربما يفوقه.
لسنوات، كانت مقاطع التصفية موجودة بحوزة فريق بحثي. أرسل شقيق رانيا الصور ومئات الرسائل وتوسّل مراراً، والجواب دائماً: "لا يوجد شيء." اليوم تبيّن أن المقاطع كانت موجودة — وكانت مخفيّة. من أخفاها؟ ولماذا؟ هذا السؤال لن يصمت.
رانيا وزوجها عبد الرحمن رحلا. ولحق بهم أطفالهم الستة، واحداً واحداً: ديمة. انتصار. نجاح. آلاء. أحمد. ليان.
ستة أسماء. ستة أرواح. ستة أسباب لكيلا ننسى أبداً.
انتهى عذاب الانتظار — وبدأت معركة أخرى، لا تُطفئها السنوات، ولا تبردها الوثائق المخفية. معركة الذاكرة ضد النسيان. معركة الحقيقة ضد التستر.
نكتب لكيلا ننسى. ولكي يظل القاتل والمتستر ملاحَقَين — بالقانون إن أمكن، وبلعنة دمائهم الزكية إن لم يمكن.

تعليقات
إرسال تعليق