سفاح التجمع الخامس
في صباحٍ لم يكن مختلفًا عن غيره على طريق الإسماعيلية–بورسعيد الصحراوي، توقفت سيارة دورية أمام شكلٍ ملقى على جانب الطريق. لم يكن المشهد جديدًا على رجال الأمن في تلك المساحات المفتوحة، لكن الجثة التي عُثر عليها في منتصف مايو 2024 حملت علامات لم تترك مجالًا للظن بأنها حادث طريق أو ضياع. بعدها بأيام، تكشّفت خيوط ربطت بين ثلاث نساء قُتلن في شهور متقاربة، وأُلقين في مناطق صحراوية بين التجمع وطريق السويس والإسماعيلية وبورسعيد. الاسم الذي استقر في أوراق النيابة ثم على ألسنة الناس كان كريم محمد سليم، واللقب الذي التصق به في الإعلام: سفاح التجمع.
القضية لم تبدأ من شقة في التجمع الخامس، بل من جثة مجهولة. في 16 مايو 2024 ورد إلى النيابة إخطار بالعثور على جثة سيدة ملقاة على طريق 30 يونيو في نطاق بورسعيد. رُفعت البصمات وصُوّرت الجثة جنائيًا، ثم بدأت عملية تحديد الهوية. مع تطابق الخيوط مع واقعتين سابقتين، اتضح أن الأجهزة تتعامل مع نمط واحد لا مع جرائم منفصلة: استدراج، تعاطٍ لمواد مخدرة، قتل، ثم نقل الجثة في حقيبة سفر والتخلص منها ليلًا على طريق صحراوي. القبض على المتهم تم في 24 مايو 2024، بعد ربط تحركات سيارته بكاميرات الطريق وكاميرات الكمبوند الذي يسكنه، واستعادة بيانات محذوفة من هاتفه وجهازه.
كريم سليم، المولود نحو عام 1987، لم يكن شخصًا مجهولًا تمامًا قبل أن يتحول إلى عنوان جنائي. عمل مدرسًا للغة الإنجليزية، ثم بنى حضورًا على وسائل التواصل، خصوصًا عبر مقاطع تعليم وإنشاد ونصائح جمعت مئات الآلاف من المتابعين. هذا الحضور سهّل عليه ما صعب على غيره: الثقة. الفتيات اللواتي تعاملن معه لم يرين في البداية رجلًا منعزلًا في شقة أرضية جهّز فيها غرفة عازلة للصوت، بل وجهًا مألوفًا يتحدث الإنجليزية ويبتسم للكاميرا. التحقيقات قالت إن الغرفة بُنيت أصلًا للتصوير، ثم صارت المكان الذي انفرد فيه بضحاياه.
الضحايا الثلاث اللواتي ثبتت إدانته بقتلهن هن نورا ورحمة وأميرة، وفق ما تداولته حيثيات الحكم وتغطيات الصحف. نورا كانت الأولى، في خريف 2023. رحمة جاءت بعدها، وأميرة كانت الأخيرة قبل أن يُقبض عليه. الصحف نقلت عن أوراق القضية أن المتهم تعاطى معهن مخدر الآيس، واستخدم عقارًا مهدئًا لإضعاف المقاومة، ثم قتلهن خنقًا، وصوّر أجزاء مما حدث، ونقل الجثث ليلًا. الطب الشرعي وجد آثار العقاقير ذاتها في الأحشاء، والعقاقير نفسها ضُبطت في مسكنه. هذه التفاصيل ليست حكاية مروية على مقهى؛ هي ما بنت عليه المحكمة يقينها، إلى جانب اعترافه، ومقاطع استُعيدت من أجهزته، وتتبع السيارة، والبصمات.
ما يجعل القضية أثقل من مجرد رقم ثلاثي في إحصاء الجرائم هو المسافة بين الصورة والفعل. رجل يعلّم الإنجليزية على الشاشة، ويعيش مع ابنه في شقة بالتجمع، ويخرج ليلًا بحقيبة سفر فيها جثة. التحقيقات رسمت مسارًا أقدم: نشأة وصفها الدفاع والحيثيات بأنها متدينة ومنغلقة، ثم انفلات مبكر نحو الكحول والعلاقات وتعاطي المخدرات، وفشل مهني بعد سمعة ساءت في مدارس عمل بها، ثم لجوء إلى المحتوى الرقمي كمصدر دخل وواجهة. المحكمة لم تبنِ حكمها على هذا السرد النفسي، بل على الأدلة. لكن السرد يفسر لماذا صدّقه ناسٌ كان ينبغي ألا يصدقوه.
في 9 يونيو 2024 أُحيل إلى المحاكمة. الاتهامات شملت القتل العمد مع سبق الإصرار، والتمثيل بالجثث، وحيازة المخدرات، والاتجار بالبشر عبر استغلال الضحايا وتصويرهن. في 12 سبتمبر 2024 قضت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بالتجمع الخامس برئاسة المستشار ياسر الأحمداوي، بإعدامه شنقًا بإجماع الآراء، مع مصادرة المضبوطات ومسح المقاطع. الحكم صدر بعد عرض الأوراق على المفتي، كما يقضي القانون في قضايا الإعدام. استئناف الحكم رُفض، وأيدته محكمة الاستئناف في ديسمبر 2024. وفي 16 مارس 2026 أصدرت محكمة النقض حكمًا نهائيًا بتأييد الإعدام، ورفضت طعن الدفاع الذي تمسك بعدم استقرار نفسي وبطلان بعض إجراءات الاعتراف. المحكمة رأت أن الأركان المادية والمعنوية ثابتة، وأن الطريق القانوني استُنفد.
أمام المحكمة، وقف ذوو الضحايا لا كأسماء في حاشية الخبر. محامٍ عن أسرة أميرة قال إن لها طفلة في نحو السادسة ستكبر من دون أم، وتمسكت الأسرة بالحق المدني. هذا التفصيل الصغير أثقل من أي وصف لشقة المتهم. الجريمة لا تنتهي عند إلقاء الجثة على الطريق؛ تنتهي، أو لا تنتهي، في بيتٍ ينقصه شخص.
السؤال الذي علق في النقاش العام لم يكن فقط «كيف فعلها؟»، بل «كيف استمر أشهرًا؟». الجثث وُجدت متفرقة، والهوية تأخرت في البداية، والطرق الصحراوية طويلة، والكاميرات لا تغطي كل متر. الربط جاء متأخرًا، عبر البصمة والهاتف وحركة السيارة والحقيبة. هذا ليس عذرًا لأحد، لكنه يذكّر بأن الجرائم المتسلسلة لا تكشف نفسها دائمًا من الواقعة الأولى. كل يوم تأخير هو يوم إضافي لشخص كان يمكن ألا يموت.
هناك أيضًا طبقة اجتماعية لا يصح القفز فوقها. التجمع الخامس، في صورة المدينة، مجمعات مغلقة وشوارع واسعة وخدمات أوضح من كثير من أحياء القاهرة. الجريمة وقعت داخل هذه الصورة لا خارجها. المتهم لم يكن غريبًا يتسلل من الهامش؛ كان مستأجرًا في كمبوند، يمتلك سيارة، ويخرج ويدخل تحت الكاميرات. الأمان المفترض في العنوان لم يحمِ النساء اللواتي صعدن معه إلى الشقة. الثقة هنا لم تُبنَ على الجيرة القديمة، بل على شاشة وصوت ووعود قصيرة.
الدفاع حاول في النقض أن يفتح بابًا نفسيًا: عدم اتزان، ضغط أثناء التحقيق، طلب لجنة طبية متخصصة. المحكمة أغلقت الباب. هذا لا يعني أن السؤال عن التكوين النفسي غير مشروع في النقاش العام؛ يعني أن القانون الجنائي المصري، في هذه الأوراق، وجد قصدًا وإصرارًا وأدلة مادية تكفي للإدانة القصوى. الخلط بين التفسير والعذر هو ما يفسد الحديث عن مثل هذه القضايا. يمكن أن يفهم المرء مسار شخص من الانغلاق إلى الإدمان إلى العنف، من دون أن يُنقص ذلك من مسؤولية الفعل.
ما بقي بعد الحكم النهائي ليس لغزًا. الحكم بات باتًا. ما بقي هو ثلاث عائلات، وطريق صحراوي صار له اسم آخر في ذاكرة من قرأوا التفاصيل، وسؤال عن المحتوى الرقمي حين يتحول وجه مألوف إلى أداة استدراج. المتابعات لا تساوي براءة، والابتسامة على الكاميرا لا تلغي ما سجّلته الكاميرا نفسها في غرفة مغلقة. القضية أيضًا أعادت فتح حديث قديم عن المخدرات الصناعية، وعن سهولة اختفاء شخص في مدينة بهذا الحجم إذا تأخر البلاغ أو تعذرت الهوية.
في الجلسات، طُلب تعويض مدني وصل في تصريحات بعض المحامين إلى ملايين الجنيهات. المال لا يردّ أمًا ولا ابنة. لكنه، في منطق القضاء، أثر من آثار الجريمة لا بديل عن القصاص الذي قضت به المحكمة. الأسر قالت إنها لن تتنازل. هذا الموقف مفهوم: التنازل يُقرأ أحيانًا كإغلاق، وهم لا يريدون إغلاقًا رخيصًا.
إذا نظرنا إلى التسلسل الزمني بهدوء، فالفجوة بين أول قتل في خريف 2023 والقبض في مايو 2024 تقارب نصف عام. في هذه الأشهر عاش المتهم حياته الظاهرة: ابن، شقة، محتوى، خروج ودخول. الضحايا في المدة نفسها كنّ أرقامًا مؤجلة في ملفات لم تكتمل. هذا التزامن هو أقسى ما في قضايا القتل المتسلسل: الحياة اليومية للفاعل لا تتوقف بالضرورة عند أول جثة.
الحيثيات التي أودعتها المحكمة لاحقًا رسمت صورة أوسع مما ينقله عنوان «سفاح». تحدثت عن قرار مسبق، عن إعداد رباط، عن تكرار الطريقة، عن تصوير، عن حقيبة السفر ذاتها في أكثر من مرة. التكرار هو ما حوّل الوقائع من جرائم منفصلة إلى نمط. والمحكمة بنت على النمط لا على الانفعال العابر. لهذا رفضت فكرة أن الأمر اختلال يرفع القصد. القصد، في تقديرها، كان حاضرًا قبل أن تُغلق باب الغرفة.
يبقى في القصة تفصيل إنساني لا يحبه صانعو العناوين: شهد، ابنة امرأة تعامل معها المتهم، ونجت وفق ما نقلته بعض التغطيات عن أوراق القضية. النجاة هنا ليست حظًا دراميًا؛ هي الفرق بين اسم يُذكر في حيثيات القتل واسم يبقى خارجها. كل قضية من هذا النوع تحمل أسماء كادت أن تُضاف ولم تُضف. تذكّرها يمنع اختزال الأمر في ثلاث جثث فقط.
التجمع الخامس بعد القضية لم يتغير شكله. الشوارع نفسها، والكمبوندات نفسها، والطريق الصحراوي نفسه يمتد شرقًا. ما تغيّر هو أن اسم المكان التصق بلقب لا يختاره أحد لحيّه. هذا الالتصاق ظالم للآلاف الذين يسكنون هناك، ودقيق في الوقت نفسه: الجريمة حدثت في العنوان الذي ظنه الناس أبعد ما يكون عن مثل هذا الخبر. الأمان ليس حيًا على الخريطة؛ هو إجراءات، وبلاغ سريع، وكاميرا تُراجع، وهوية تُحسم قبل أن يبرد الأثر.
الحكم النهائي في مارس 2026 أغلق الطريق القضائي. الإعدام في القانون المصري يظل مرتبطًا بإجراءات لاحقة قبل التنفيذ، لكن الكلمة القضائية نفسها استقرت. للعائلات، الاستقرار القانوني لا يساوي هدوءًا. الطفلة التي ذُكرت في الجلسة ستكبر والسؤال معها. هذا ما لا يستطيع الحكم محوه، وما لا ينبغي للمقال أن يجمّله.
في النهاية، سفاح التجمع ليس أسطورة حضرية ولا شخصية روائية. هو رجل أدين بقتل ثلاث نساء، صوّر جزءًا من جرائمه، ألقى بهن على طرق صحراوية، وحكم عليه بالإعدام حكمًا باتًا بعد درجتين ثم نقض. الباقي تفاصيل عائلات، وثقة أُسيء استخدامها، وشهور ضاعت قبل أن تتقاطع الكاميرا مع البصمة مع الهاتف. من يريد أن يفهم القضية يكفيه هذا، من دون حاجة إلى إعادة تمثيل ما حدث داخل الغرفة.

تعليقات
إرسال تعليق