الرئيسية تاريخ غموض حروب إلهام من نحن اتصل بنا
الزهراني

بخروش بن علاس الزهراني

أكتوبر 05, 2026
بخروش بن علاس الزهراني

 





في شمال سراة زهران، حيث تضيق الدروب بين السراة وتهامة، وُلد عام 1170هـ الموافق 1757م رجلٌ صار اسمه في ذاكرة الباحة أقرب إلى المثل منه إلى الترجمة. بخروش بن علاس الزهراني، من قريش الحسن في بني عمر، أحد فروع زهران الأربعة مع دوس وبني يوس وبني سليم. قريته العُدية، بفتح الدال وتشديد الياء، شمالي الأطاولة بنحو أربعة أميال، بوابة الباحة من ناحية الحجاز. نشأ في بيئة رعي وزراعة، طويل القامة، عريض المنكبين، ضامر البطن، مفتول الذراعين، مهيب الطلعة. خلّف ثلاثة أبناء: علاس وعائض وزيد. وحين دخلت بلاد زهران في طاعة الدولة السعودية الأولى عام 1218هـ / 1803م، في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، عُيّن أميراً على زهران كافة بعد أن كانت إمارته محصورة في قومه، فامتد نفوذه إلى بني بشير وبني جندب وبني حرير وبني عدوان وقريش. من مقرّه في قرية الحسن، حيث الجامع والبئر والخندق وإسطبل الخيل وبرج المراقبة، حكم اثنتي عشرة سنة حتى مقتله. وبنى عام 1228هـ قلعة عسكرية لمواجهة ما كان آتياً من الساحل.


لم يكن شيخ قبيلة فحسب. كانت غامد وزهران على الطرف الجنوبي للحجاز، وعلى الطريق الذي يربط مكة بتِهامة وعسير. من يمسك هذا الممر يستطيع أن يقطع التموين ويشاغل الجيوش قبل أن تبلغ نجد. لذلك صار، في حساب محمد علي باشا والي مصر، خطراً على الحملة التي أُرسلت للقضاء على الدولة السعودية الأولى، والتي وصلت طلائعها إلى ينبع عام 1226هـ / 1811م. يقول المؤرخ الإيطالي جيوفاني فيناتي، الذي رافق تلك الحملة: «لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه». ولقّبه قومه بفارس زهران ونمر العرب.


## الطريق إلى القنفذة


لفهم معركة القنفذة لا بد من فهم ما سبقها. الدولة السعودية الأولى، بعد أن امتد نفوذها من الدرعية إلى الحجاز وعسير، صارت في نظر الباب العالي خطراً على طريق الحج وعلى سلطة الأشراف. كُلّف محمد علي باشا بالمهمة. استولى على ينبع، ثم على المدينة، ثم على مكة، ونفى الشريف غالب، وولّى يحيى بن سرور. لكن الجنوب لم يسقط معه. عسير في يد طامي بن شعيب المتحمي، وزهران في يد بخروش، وبينهما مصالح واحدة: إن فُتحت تهامة انكشف الجبل، وإن صمد الجبل بقيت الدرعية أبعد مما يحسب الباشا.


في مطلع عام 1229هـ رأى محمد علي أن يعزل ريف مكة قبل الزحف على العاصمة. كتب إلى السلطان أن هذه الأرض مصدر قوة الدرعية، وأن إخضاع جبالها يسهّل حلّ مشكلتها. فجهّز حملة بحرية بنحو ألف وخمسمئة رجل وأربعين سفينة محمّلة بالزاد والسلاح، بقيادة حسين آغا وسيم أوغلو، واتجهت إلى القنفذة. المدينة ميناء جنوبي على البحر الأحمر، كانت في يد عسير، يحميها طامي بحامية صغيرة تقدَّر بخمسمئة رجل. سقوطها يفتح الطريق البحري نحو اليمن، ويقطع على نجد أقصر خط إمداد من الجنوب.


حاصرت السفن المدينة وقصفت أسوارها. في مارس 1814 سقطت القنفذة من غير قتال يُذكر. انسحب أكثر أهلها، واستسلمت الحامية. لكن الأسوار بلا ماء. أقرب الآبار على مسيرة ثلاث ساعات نحو الجبال. ترك العثمانيون نحو مئة وخمسين جندياً ألبانياً يحرسون الآبار، وبقوا في المدينة نحواً من شهر، يحصّنون ما أخذوه وينتظرون أن يثبت الخط.


هنا دخل بخروش المشهد إلى جانب طامي. لم تكن القنفذة أرض زهران، لكن سقوطها كان سقوطاً للظهر. اجتمعت قوة من عسير وزهران وغامد، تُقدَّر في الروايات بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف مقاتل. الخطة لم تبدأ بالسور. بدأت بالماء. هاجموا حرس الآبار. قاتل بعضهم، وفرّ الباقون إلى المدينة. اضطرب المعسكر. أمر القادة بالانسحاب إلى السفن من غير دفاع يُذكر عن الأسوار، خوفاً من أن يُحاصروا داخل مدينة بلا ماء. دخل المقاتلون القنفذة. قُتل من الجنود والخدم من لم يلحق بالبحر، وغَرِق آخرون عند الشاطئ وهم يحاولون بلوغ المراكب. السفن نفسها كانت شحيحة الماء والزاد، فمات من العطش في الطريق إلى جدة. غَنِم المهاجمون أمتعة ومدافع وأربعمئة إلى خمسمئة فرس ونحواً من ألف خيمة حرب. الغنيمة النقدية لم تكن كبيرة. الغنيمة السياسية كانت أكبر: عاد الميناء، وانكسر حساب الساحل.


معركة القنفذة، بين مارس وأوائل مايو 1814، لم تكن اشتباكاً جانبياً في حرب نجد. أعادت المدينة إلى الحلف السعودي، وقطعت على محمد علي أقصر طريق بحري نحو عسير، وأثبتت أن زهران وعسير قادران على العمل معاً تحت راية واحدة. بعدها قاد بخروش حرب إمداد: ضرب القوافل بين مكة وجدة، وهاجم المواقع المتحركة والحصون، وقطع التموين. الحرب هنا لم تكن في الميدان وحده، بل في الخبز والماء والطريق. جيش بلا زاد لا يصمد في سراة، مهما كثرت مدافعه.


## الجبل يردّ


النصر على الساحل لم يُنهِ الحملة. في رمضان 1229هـ جهّز محمد علي جيشاً من مكة والطائف لمحاصرة بخروش في وادي قريش بزهران. بدأت المعركة في شوال. الخطة العثمانية كانت كماشة على القرية: تطويق من الأسفل، وقطع للدروب، وانتظار أن يجوع الحصن. خطة بخروش، بدعم طامي، كانت العكس. خرجت القوة من أعالي الجبال وضربت العثمانيين وهم في موضع دفاع، لا في موضع هجوم. انكسرت الحملة وطوردت. تذكر روايات الباحثين المحليين أن قتلى الطرف الآخر في هذا اليوم بلغوا نحواً من الألف، وهو رقم تتفاوت فيه المصادر، لكن نتيجة المعركة ثابتة في سعوديبيديا: هزيمة المحاصرين ومطاردتهم.


ولم تكن وادي قريش وحدها. تروي السيرة المحلية أربع وقائع في ذلك العام ضد عابدين بك الأرناؤوطي. في عقبة ذي منعة نُصبت الكمين على طريق ضيق، ودُحرجت الصخور من القمم، وقِيل للعسكر إن الجبل مسكون حتى يختلّ صفّهم، ثم أُمطِروا بالرصاص وحوصرت حصونهم، حتى جاء طامي بنحو عشرة آلاف ففكّ الطوق في شوال 1229هـ، فانسحبوا إلى الطائف. في تربة ومعشوقة، في السهول الشرقية، صدّ أهل القرى بقيادة بخروش حملة أخرى. في عقبة شمرخ خبأ رجاله في الكهوف والغيران، وقطع الطريق، وصبّ النار على الطابور. وفي ناصرة بلحارث أحرق قاعدة عسكرية: قسم قوته ليشغل الحامية، ونقب الأسوار ليلاً، وهدم الموضع. ثم كمن لعابدين في وادي أستن وفرشة السود، حتى استسلم القائد وغُنم سلاحه. الأرقام في هذه الروايات أقرب إلى السيرة الشفهية منها إلى التقرير العسكري، وبعض التفاصيل، كحديث الجن المدسوس في ألسنة الأدلاء، لا يثبته وثيقة. لكن الإطار ثابت: الجبل كان السلاح، والمداخل الضيقة كانت الميدان، وغياب الماء عن الخصم كان نصف المعركة.


من العُدية كان بخروش يرى الحساب أوضح مما يراه قائد سفينة. العثماني يحتاج طريقاً ممهداً وماءً معلوماً وخط رجع إلى جدة. الزهراني يحتاج معرفة العقبة، ورجلاً يعرف الغيران، وصبراً على أن يأتي الخصم إليه. لذلك طالت المناوشة، وتأخر الزحف على الدرعية، وصار اسمه في تقارير الحملة اسماً يُخشى لا اسماً يُستهان به.


## بسل: اليوم الذي انكسر فيه الخط


عام 1230هـ / 1815م تغيّر ميزان الميدان. خرج بخروش في قوة من زهران وغامد، وتذكر بعض الروايات أنها بلغت نحو عشرين ألفاً، لتلبية نداء الأمير فيصل بن سعود، الذي كان يقود نحواً من عشرة آلاف. اجتمعوا في غزال ثم ساروا إلى وادي بسل قرب الطائف، حيث عسكر محمد علي. في اليوم الأول اشتد القتال والطراد. في اليوم الثاني أقبل الباشا بمدد، فانكسر جانب من الصف. تروي السيرة أن بخروش قاتل حتى قُتل فرسه بين الفرسان، فقتل فارسَين من ضباط الباشا، ثم قتل تركياً وركب حصانه ونجا. لكن المعركة خُسرت. بسل فتحت الطريق إلى تربة، وتربة فتحت الطريق إلى الجنوب، وكانت من المعارك التي مهّدت لسقوط الحجاز ثم لسقوط الدرعية عام 1233هـ.


الخسارة في بسل لم تكن خسارة زهران وحدها. كانت خسارة الخط الذي يربط الجبل بنجد. ما دام فيصل وبخروش يقفان معاً قرب الطائف، بقيت الحملة مشغولة عن العاصمة. حين انكسر هذا الخط، صار كل حصن في السراة هدفاً على حدة. وهكذا توجّه محمد علي إلى تربة فاحتلها، ثم أرسل إلى زهران حملتين. انطلقت إحداهما من رنية التي سقطت في أعقاب بسل، والثانية بقيادة محو بك للنزول من الجبال غرباً ومباغتة بخروش في عقر داره. لم يعد القتال في العقبة. صار حول القلعة.


## الحصن والباب


حوصرت قلعة العُدية. صمد الرجال أياماً، وتذكر الروايات ستة أيام من القصف قبل الاقتحام. أُحرقت الحجارة والشجر، ودُمّرت المدافع. وتجمع المصادر المحلية على أن الباب لم يُكسر بالنار وحدها، بل فُتح من داخل، بخيانة قلة هالها عدد المحاصرين، مقابل أمان لم يُوفَّ به. دخل الجند، وقتلوا حتى وصلوا إلى بخروش، فحاصروه وقيّدوه. نُقل إلى تهامة، ليلحق بطامي بن شعيب الذي كان قد أُسر في عسير بعد أن استعاد العثمانيون القنفذة.


المفارقة أن المدينة التي انتصر فيها عام 1229هـ صارت مسرح نهايته. في موقع قريب من القنفذة، يُسمّى في الروايات القوز، فكّ وثاقه ذات ليلة. وجد الحرّاس نياماً، فقتل منهم وجرح آخرين وفرّ. أُدرك في الصباح وأُعيد. تروي السيرة أن محمد علي سأله: لماذا قتلت الجند وأنت أسير؟ فأجاب: ما دمت طليقاً أعمل ما أشاء. عندها رُدّ إلى الأغلال، وأُوقف وسط العسكر، وأُمر كل جندي أن يطعنه طعنة ليست قاتلة. لم يستعطف، ولم يُرَ عليه ندم. نزف حتى مات. قُتل، وقُطع رأسه.


تحدّد سعوديبيديا تاريخ قتله بـ19 محرم 1230هـ الموافق 31 مارس 1815م. وتذكر مصادر أخرى أن الحملة على زهران كانت في ربيع الثاني من العام نفسه، وأن الإعدام تم في القنفذة بعد نقل الأسيرين. الاختلاف في اليوم لا يغيّر المكان ولا النتيجة: مات في القنفذة، عن نحو ستين عاماً. دُفن جسده في تهامة زهران، في الأحسبة أو القوز بحسب الروايات، وأُرسل رأسه إلى مصر. يصف موريس تاميزيه، نقلاً عن مؤرخين سبقوه، طواف طامي في القاهرة على جمل ورأسه إلى الخلف ومؤخرته إلى مقدمة الجمل، ورأس بخروش في كيس يتدلّى إلى جانبه، ثم نُقل الرأس إلى إسطنبول، وأُعدم طامي هناك. وصلت التهاني إلى محمد علي بقتل الرجلين. كان الحساب عند الباب العالي أن الجنوب قد أُغلق.


لم يعش بخروش ليرى سقوط الدرعية. لكن موته كان جزءاً من الانهيار. بسقوط زهران وعسير انفتح الجنوب، وبعد عامين سقطت العاصمة، وأُخذ الإمام عبد الله بن سعود إلى إسطنبول. الحلقة التي أمسكها أمير العُدية اثنتي عشرة سنة انفرطت في شهر.


## ما يُروى وما يُثبت


السيرة ليست خالية من الاختلاف، ومن الأمانة أن يُقال ذلك. نسبه يُكتب بخروش بن علاس، ويُكتب أحياناً بخروش بن مسعود العلاسي البخروشي القرشي الزهراني. تاريخ اليوم الأخير يتفاوت بين محرم وربيع الثاني. تفاصيل الطعن المتدرّج، والرسالة الساخرة إلى الباشا، وعدد القتلى في ذي منعة، تأتي من الرواية المحلية ومن كتب المتأخرين أكثر مما تأتي من تقرير عثماني معاصر. المؤرخ محمد بن زياد الزهراني، الذي ألّف عنه، يروي أنه قُبض عليه في منزله بعد بسل بخيانة بعض معارفه، ونُقل إلى القنفذة ليُعدم في ميناء القوز مع طامي، ثم طيف برأسه في القاهرة والأستانة. بوركهارت، الذي عاصر أخبار الحملة، يصفه عبوساً صامتاً، موقناً أن محمد علي لن يعفو عنه بسبب رسالة تهكّم سابقة. هذه التفاصيل ترسم رجلاً، لكنها ليست كلها بدرجة واحدة من الثبوت.


ما يثبت في المصادر السعودية أوضح من الحاشية. أمير زهران من 1218هـ. شريك طامي في نصر القنفذة عام 1229هـ. قاطع لخطوط الإمداد بين مكة وجدة. منتصر في وادي قريش وناصرة. مقاتل في بسل إلى جانب فيصل بن سعود. أسير في قريش الحسن الثانية عام 1230هـ. مقتول في القنفذة، ورأسه إلى إسطنبول. هذا الهيكل يكفي لقصة، ولا يحتاج إلى زيادة لا تسندها رواية.


ويكفي أيضاً لفهم لماذا بقي الاسم. لم يكن بخروش في الدرعية، ولم يكن من آل الشيخ، ولم يكتب رسالة فقه. كان أمير طرف. والطرف، في حرب كهذه، هو الذي يقرّر إن كانت العاصمة تُؤخذ في عام أو في خمسة. أربع سنين من الكمائن وقطع الزاد ونصر ساحلي واحد أخّرت الحساب، ثم دفع هو الثمن في الميناء الذي كان قد استرده. القنفذة في حياته مرتين: مرة باباً فُتح على الخصم، ومرة جداراً أُغلق عليه.


## ما بقي في الأرض


قلعة العُدية ما زالت تُنسب إليه. فيها ما تبقّى من برج وخندق، وفي جهتها الجنوبية الشرقية مقابر يُقال إن قتلى وادي قريش دُفنوا قربها، وإن حجارة بيضاء نُصبت على موتى الحملة في مناحي الأسفل. الذاكرة الزهرانية تحفظه فارس الجبل الذي هزم حملة بحرية ثم قُتل في الميناء نفسه. وفي الرياض أُطلق اسمه على شارع حين كان الملك سلمان أميراً للمدينة، والتقى بأحفاده تكريماً لمآثر جدّهم. ندوات الباحة تعيد سيرته بوصفه من رجال الدولة السعودية الأولى الذين وقفوا في وجه حملة محمد علي، لا بوصفه حكاية قبيلة معزولة.


وفي هذا موضع القصة كله. بخروش ليس حلقة ناقصة في تاريخ الدرعية، وليس أسطورة جبل بلا تاريخ. هو رجل من بني عمر، وُلد في العُدية، وتولّى زهران اثنتي عشرة سنة، وقاتل على الساحل وفي العقبة وفي بسل، ومات في القوز ورأسه في كيس على طريق القاهرة. من حياته إلى مماته خط واحد: ممر جبلي، وميناء، وحصن، وباب فُتح من داخل. وما بين القنفذة الأولى والقنفذة الثانية مسافة عام واحد، فيها صعد اسمه إلى تقارير الباشا، ثم نزل رأسه إلى إسطنبول.


التعليقات

تعليقات

// إعلان ٤ — Footer Banner 970x90 الصق كود AdSense هنا