من مطلوب دولي الى رئيس دولة
أحمد حسين الشرع، المعروف لسنوات باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، هو القائد الذي تزعم هيئة تحرير الشام وقاد الهجوم الذي أسقط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ثم عُيّن رئيساً للمرحلة الانتقالية في سوريا في 29 يناير 2025. مساره يجمع بين المشاركة المبكرة في تنظيم القاعدة في العراق، وتأسيس جبهة النصرة، والانفصال اللاحق عن التنظيم وعن تنظيم الدولة الإسلامية، ثم إعادة تموضع سياسي وعسكري انتهى به في قصر الرئاسة بدمشق. تعتمد هذه السيرة على تقارير مؤسسات إخبارية كبرى ومصادر رسمية وسير موثقة، مع الإشارة إلى نقاط الخلاف والتصنيفات الدولية التي رافقته طوال سنوات.
ولد أحمد حسين الشرع في 29 أكتوبر 1982 في الرياض بالمملكة العربية السعودية. كان والده حسين الشرع يعمل في قطاع النفط هناك، وتعود أصول العائلة إلى بلدة فيق في هضبة الجولان، التي نزحت منها بعد حرب 1967. انتقلت العائلة إلى دمشق حوالي عام 1989، ونشأ أحمد في حي المزة. يذكر في مقابلات لاحقة أنه تأثر في شبابه بأحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأنه قطع دراسته الجامعية (تختلف الروايات بين الطب والإعلام) وتوجه إلى العراق قبيل الغزو الأمريكي عام 2003 أو مع بدايته.
في العراق انضم إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وشارك في القتال ضد القوات الأمريكية. اعتقلته القوات الأمريكية حوالي عام 2005-2006، وقضى سنوات في سجون أمريكية بينها معسكر بوكا، حيث التقى بعدد من القيادات التي شكلت لاحقاً تنظيم الدولة الإسلامية، ومنهم أبو بكر البغدادي. أُفرج عنه عام 2011 مع بداية الأحداث في سوريا.
بتنسيق مع البغدادي، عبر إلى سوريا في أغسطس 2011 مع مجموعة صغيرة، وأسس جبهة النصرة عام 2012 كفرع سري مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق ثم بالقاعدة. نمت الجبهة سريعاً وأصبحت من أقوى الفصائل المعارضة لنظام الأسد، واعتمدت في بداياتها على عمليات انتحارية وهجمات ضد مواقع عسكرية وأمنية. في أبريل 2013 أعلن البغدادي دمج جبهة النصرة في ما سماه الدولة الإسلامية في العراق والشام، فرفض الجولاني الدمج وأعلن البيعة لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري. أدى الخلاف إلى قتال بين الطرفين، وبقي الجولاني على رأس جبهة النصرة.
في يوليو 2016 أعلن فك الارتباط التنظيمي بالقاعدة، وغير اسم الجماعة إلى جبهة فتح الشام. في يناير 2017 اندمجت مع فصائل أخرى تحت اسم هيئة تحرير الشام، وتولى قيادتها. سيطرت الهيئة تدريجياً على معظم محافظة إدلب ومناطق في ريف حلب وحماة، وأقامت إدارة محلية شملت محاكم وجباية وخدمات، مع اتهامات متكررة من منظمات حقوقية بقمع المعارضين وفرض قيود اجتماعية. ظلت الهيئة مصنفة جماعة إرهابية لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة وعدد من الدول، ووُضع على رأس الجولاني مكافأة أمريكية قدرها عشرة ملايين دولار.
خلال سنوات إدلب سعى إلى تقديم صورة أقل ارتباطاً بالجهاد العالمي، وقلل من ظهور المقاتلين الأجانب في الواجهة، وركز الخطاب على إسقاط الأسد وإدارة المنطقة. في 27 نوفمبر 2024 أطلقت فصائل بقيادة هيئة تحرير الشام عملية «ردع العدوان»، فتقدمت بسرعة من إدلب نحو حلب ثم حماة وحمص ودمشق. في 8 ديسمبر 2024 سقط نظام الأسد وغادر بشار الأسد البلاد. في الأيام الأولى استخدم الشرع اسمه الحقيقي علناً بدل الاسم الحركي، وظهر في دمشق بزي مدني.
في 29 يناير 2025 عُيّن رئيساً للمرحلة الانتقالية. رفعت الولايات المتحدة المكافأة عنه في ديسمبر 2024، ثم شطب اسمه من قوائم الإرهاب الأمريكية في نوفمبر 2025، وتبع ذلك قرار في مجلس الأمن بدعم أمريكي. زار البيت الأبيض والتقى الرئيس دونالد ترامب، وخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسعى إلى رفع العقوبات وجذب استثمارات لإعادة الإعمار. تقدر بعض التقارير احتياجات إعادة الإعمار بأكثر من مئتي مليار دولار، فيما يبقى الاقتصاد متعثراً والتحديات الأمنية قائمة، بما فيها دمج فصائل وتوترات في مناطق ذات أغلبية علوية أو درزية أو كردية.
يظل ماضيه موضع جدل. يرى مؤيدوه أنه قطع مع القاعدة وركز على الشأن السوري ونجح في إسقاط نظام استمر عقوداً. ويرى منتقدوه أن الانفصال كان تكتيكياً، وأن سجل جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام يتضمن عمليات ضد مدنيين وانتهاكات في مناطق السيطرة، وأن التحول في الخطاب لا يلغي التصنيفات السابقة ولا الأسئلة حول طبيعة الحكم المقبل. العراق، على سبيل المثال، أبقى اسمه على قوائم محلية حتى 2026 رغم التقارب الدبلوماسي. زوجته لطيفة الدروبي، وله أبناء، ووالده حسين الشرع اقتصادي له مؤلفات في النفط، وقد نُشرت مقابلات ومقالات تتناول التباين بين خلفية الأب القومية ومسار الابن.
من الرياض إلى سجون العراق، ثم إدلب، ثم دمشق، يمثل مسار أحمد الشرع أحد التحولات الأبرز في الحرب السورية. المصادر الرئيسية التي توثق هذه المحطات تشمل مقابلاته مع قنوات أمريكية عام 2021، وتقارير بي بي سي وسي إن إن ونيويورك تايمز وبريتانيكا، إضافة إلى البيانات الرسمية الأمريكية والسورية بعد 2024. تبقى التفاصيل الدقيقة لبعض السنوات الأولى معتمدة على روايته الشخصية وعلى وثائق استخباراتية لم تُنشر كاملة، وهو ما يفسر بعض التباين في التواريخ الدقيقة للاعتقال والإفراج.

تعليقات
إرسال تعليق